*د.محمد الخمسي
يعتبر جزء من التاريخ حول شخصيات علماء ويقصد بها “علماء في الدين” منتوج محض صنع من طرف الاتباع ، الذين بسبب الولاء والقرب والامتيازات، ذكروا عنهم ما يتراوح بين التقديس و الاطراء، وفيه الكثير مما يفوق الخيال ، ونوع من رفع الضرورات الإنسانية عنهم، كأن يقولوا إن صاحبهم كان يحفظ كذا وكذا ، ويمسك الوضوء اسابيع وشهورا، أو انه كان يأكل وجبة في الشهر، اما الشجاعة فامر غريب ما يروى، و ردا على هذه الخيالات و الخرافات يمكن استحضار البيئة الدينية الخصبة لهذه الروايات، حيث انتشر فيها الجهل بحقيقة الدين ولازلنا الى الان ونحن نعاصر هذه الظاهرة ، كأن يقول أحدهم رأيت خالد بن الوليد في زيه او بدلته العسكري، و هو يبلغكم السلام، فينطلق الناس بالتكبير، و وينفجر الحضور بالبكاء و تطئطأ الرؤوس وتسلم له اي لمن بين نه عالما وهو يروي منامته التي لا تلزمنا في شيئ ولا يجب شرعا وعقلا ضرورة تصديقها، فكيف بمن يفسح له المجال ليملأها بما رؤوس ربما الملايين من الناس.
هل كان الأثر بالعلم ام بسبب القرار السياسي؟
و قول القائل بأن لدينا خبر مكانتهم، وإتباعهم واثارهم، فالحقيقة انهم ما عرفوا إلا بسب من رفعه سلطان او عذبه سلطان، بمعنى ان الموقف السياسي هو الذي دون وكتب وجودهم ، وليس ما كان لهم من اثر على الامم والشعوب، ذلك الأثر المحدد بمقدار ما سمحت به السلطة السياسية،
أما شهادة الاتباع لهم بالاستقامة، دون ذكر ما كان بين هؤلاء “العلماء ” من كيد، و تحاسد و دسائس على بعضهم البعض عند السلطان و المقربين، سعيا للتقرب او تجنبا للغضب، مما ينفي او يناقض هالة قوتهم بما يسمى قوة الايمان، ومن انكر عليهم ذلك، استشهدوا له بمحنة الامام احمد بن حنبل، وكأنها حالة عامة، وما ذكرت الا لشرودها، و ما العيب ان يشار إلى ضعفهم البشري، إلا أن يكون هدف الاتباع البحث لهم عن القدسية ، بل صناعة الريادة لهم في الشجاعة، ونعتهم كقادة عظام جمعوا بين العلم وشجاعة المواقف، طبعا هناك الاستثناء المعدود على الاصابع، اما الاصل، فهو بحثهم عن الامان ولو اقتضى الامر القول ونقيضه، اذا تقلبت الاحوال السياسية.
جزء من الثرات نقيض فكرة التجديد
ادعائهم بتجديد الدين، لو كان كذلك، لما وصلنا هذا الكم الهائل من الانحراف و التشدد و الشطط، صحيح كان هناك مجاهدون مجددون ولكن كانوا استثناء، و ما تعيشه الان الجماعات الدينية من صراع وصلت حد تسمية ايات الله بآية السيف من عند “علماءهم” اي علماء الدم، إلا علامة من علامات ما وقع على التاريخ من تراجع في فهم كتاب الله، وانتكاسة في تفسيره، أزمة استيعاب العصر، دليل على تعطل آلة التجديد، ولدى كثير مما أنتجوا و ينتجون من فتاوي التي تبدأ بالتحريم وتنتهي بالحلال بعد الغلبة والمفاوضة، بل بالمندوب فعله، كل ذلك لجرعة المزاج عند الكثير منهم، او بحسب ما تطلبه الدولة الحديثة، وفق مصالحها وغاياتها، و هناك فتاوي تعكس غياب النضج العلمي، و استيعاب القضايا، ونعيش هذه الحالة منذ ان ظهر ما سمي بالجهاد الافغاني، مرورا بدولة الشريعة في السودان، و بدولة القتل في العراق و سورية، لقد سالت دماء كثيرة بمداد بعض من يسمون “بالعلماء” وضاع شباب في محارق العصر ، وصراع العالم، حول الموارد والمواقع، ودفع هؤلاء ” العلماء” بكثير من الطاقات والكفاءات الى نار وقودها مجتمعات العالم الاسلامي، لازالت أسرهم مكلومة في افئدتها، بينما صاحب الفتوى ينعم الى عنقيه في المتاع المحصل على فتواه، كيف لا وقد قدم خدمات تفتيت دول إلى قرى و أدنى من القرى، بعدما كانت تنعم بالسلم والرخاء والاستقرار، لقد ساهم “علماء” السوء الى جوار الطغاة في كلفة 600 مليار دولار الحرب سورية وحدها كمثال على التحريض على القتال دون سياقه وشروطه الا سياق القوى العالمية، التي نجحت في تفتيت المنطقة، والسؤال كيف ستكون الكلفة فقط الاقتصادية دون البشرية لو احصينا كل الحرائق التي اشتعلت.
عجز مركب
إن العجز في استيعاب العصر ، وفهم تعقيداته، وكثر القول في امور لا يعلمون الضرورات منها قبل قول اي قول، بل لا يتمتعون بسبق فكر ونظر وحسن رأي اوعمل.
و الاجتهاد في التملق للسلطة السياسية والاقتصادية والاعلامية، للبقاء قرب الجماهير ، و التأثير عليه ، فهم قريبون منها للتوجيه و الاستغلال وفق استراتيجيات، علموا ام لم يعلموا ابعادها ونتائجها، ظاهرها دعوة ودين ولكنها تقسيم وفتنة، دون رؤية او بصيرة الا ان يكون لهم موقع ومجد.
إن عملية تجيش الاتباع و الحرص على وجود الحملة لفكرهم و قولهم ، حالة استسلمتومعها العقول جعلت منها سوى رضا “العالم الشيخ ” و في نهاية المطاف علماء متبوعين باتباع لا مناعة لهم. ومع الاسف من استيقض من هؤلاء الشباب ذهب مباشرة إلى الالحاد كردة فعل على ما عرف واكتشف.
إن تكوين حفظة بدون فهم للدين، منعزلين بدون إدراك للواقع، معتقدين ان اقوال علمائهم هي غاية مقاصد الشريعة، عبر آلية الفتوى صنعت الشرخ في المجتمع، وقسمته الى طوائف كل طائفة تفرح بما عندها، زاد هذا الامر من انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذي اصبح في الحقيقة أداة سريعة لتقطيع اوصال المجتمع.
هؤلاء الذين صنعوا الاتباع و مولهم اخرون يعرف بعضهم و الكثير لا نعرفهم، الله وحده يعرفهم، من اشد الناس حرصا على المواقع، والمناصب، يتطلعون الى رضا من هنا او هناك ، ويرجون تعينا يجود به السياسي عليهم، وان تظاهروا بالخلاف والاختلاف فهو مجرد أسلوب لتعمية الاتباع، و توزيع الادوار.
الخلاصة
لو كان لجزء غير يسير ممن يسمون “علماء” علم حقا لكانوا سببا في إحداث فرق علمي أو إصلاحي للأمة، إنهم فقط أسرى اللحظة الراهنة، لو كانوا حقا علماء لمارسوا نشاطا استثنائيا في أوقات الأزمات والملمات التي تمر بها الأمة، ورشدوا الناس لوحدة الصف، وتجنبوا تقسيم المجتمع الى طوائف وعناوين تحت مسمى الدين الحق، اي ما عليه اتباعي وجماعتي،
لو كانوا علماء البناء لجمعوا بين اتقاد العقل في العلم والفكر، واتقاد العاطفة للاصلاح، في توازن لا يبغي بعضه على بعض.
ان واقع التدين دليل على الموت السريري لجزء من المجتمع رغم هذه الزوبعة المسماة “علماء”.
*استاذ التعليم العالي فاس.





