*بقلم: أ. حسن المصلوحي
حروف من ذهب، ستة و ستون نصا نثريا أو خاطرة اهتجس بها الكاتب فأسالها بين أنياب الأسر صريحة شفافة، صارخة و حالمة… و حسنا فعل، أن جعل من تلك الجراح و العواطف مشتركا و مشاعا، عشته أنا من هنا من المغرب و يعيشه الآخر من كل سهل و فج عميق… و ههنا معجزة الكتابة؛ فهي الوحيدة الكفيلة بأن تجعل من صاحبها عابرا للحدود و الجسور و المعابر البلهاء.
قسى علي الصديق العزيز حسن عبادي حين طلب شهادتي المتواضعة في هذا المنجز الجبار، لا بحروفه و كلماته فقط و لكنه بصدق هاته التجربة الانسانية المشرفة لشخص لم يرتضي لنفسه إلا السؤدد مقاما و منزلا. أبا حمدي، لك أخ في مغرب الأرض أنزفت من مقلتيه الدمع في الليل الذي ما كنت لأخاطرك إلا تحت سطوته، انتظرت أن يصمت هذا العبث لكي أناجي هذا النص و هذا البوح المحصن من كل ادعاء، انتظرت على أحر من الجمر أن يسكن عالم من النفاق و الشقاق و الأقنعة الخرقاء لكي أكون شفافا أمام حروفك التي لم تجانب الصواب حين أعلنت مقدما أنها من ذهب، و الذهب لا يفنى و لا يتغير و لا يصير أبدا ترابا، هكذا كانت و ما تزال تلك الإرادة المتفردة داخل صدرك، هكذا أنت و هكذا كل من رفض الخنوع رغم الجوع و رغم الوجيعة.
أن يكتب الأسير يا أحبتي فذاك حدث يحتاج الوقوف عنده مليا، و لنسأل أنفسنا نحن الكتاب، مجمع المثقفين، هل كنا حقا سنخلص للحرف و نحن بين أنياب الموت؟ أعتقد أن الاجابة بنعم إجابة متسرعة للغاية. أن يكتب الجريح بمداد الدم فتلك ملحمة لوحدها تحتاج منا لحظة تأمل… بعضنا تعانده الكتابة حين ينشغل باليومي و المعيش فما بالكم بمن يصارع من أجل البقاء و رغم ذلك يحمل القلم و يكتب، يكتب للأرض و للعرض و لنا نحن الذين ننعم بالحرية خارجا. كم أنت قوي أبا حمدي ! و كم أنت جبان أبا وليد ! و لعل داخل كل واحد فينا جبان يرتضي الرغد و أجساد الرفاق يكسوها غبار السجون و أعمار غالية تقلمها يد السجان الملعون، و نحن نضحك، و نحن نرقص و نكتب و نغازل الحياة، فأي حياة، أي حياة نعيش، و أي حياة نستحق !
أن تكتب أبا حمدي يعني أن تصير ملاكا خفيفا شفافا لا يخضع لحتمية البشر، فالحرف في الأسر بألف مما نعد نحن الراكنون إلى نسائنا عند المنام و القابعون في بيتونا عندما يلعلع الرصاص في السماء قبل أن يلامس الأرض.
هذا الحرف الشريف بالضبط هو ما جعلني أدرك بأن صديقي عبادي كان قاسيا حين انتدبني.
في الاهداء تعلن عن والدك، عن رجل أفنى حياته من أجلك و من أجلنا و لا تنسى الشهداء و الوالدة و الابناء و الزوجة… و كأنك من فرط الفقد تود لو أهديت الكتاب لكل قلب طيب يدب فوق الأرض.
لم أستغرب حين وجدتك عاشقا للموت كما ترنو الفراشة للضوء، ثابت أمام المحتل المترنح رغم المحن، لأن الله وعدك بالنصر ما دام بركان الصمود لم يخمد. و مهما طال الجور لا بد للمحتل من حتف سيلقاه سيلقاه، فأعلنت غير ما مرة بأن المجد لنا، للقدس سيدة المدائن أمنا.
لم أستغرب أيضا حين وجدت هذا الحرف الحساس العاطفي التواق للحب ينعي أحبابه و رفاقه و عظماء النضال، فنعيت الشهيد كمال مسلم، و توجته فارسا ترجل شاهقا، و لم يخضع و لم يذعن، نعيته و رتلت تراتيل الاخلاص لتلك الدماء الشريفة و الوعد برد الصاع صاعين لمن كان السبب. نعيت أيضا الشهيد جهاد العالول، نعيا رومنسيا يليق بسيد مثله، حيث الألم الذي يحمله المساء على شكل حبيب رحل على غفلة منك، و عجبا أنت في المحنة لا تنسى القضية !
إن الشهيد هو صوت الحقيقة بل الحقيقة ذاتها، صوت يمتد ليبلغ كل الآذان، و لكي تصير الصور أكثر قوة صرخت بأنه رغم الأسر سنفجر المحتل بسطوة الحضور، و هذا البوح المحموم هو في حد ذاته رفض مطلق للغياب و للنسيان.
إن نصوصك النثرية هاته غضب لم يكن بالإمكان إخراجه إلا بهذه الطريقة القوية الشفافة، و قد وجدت بعض النصوص و كأنها أناشيد ملحمية؛ حيث ذات الأسير و الشهيد الواحدة المتعددة، الثابتة و العدو المرتجف.
كان هناك نزوع واضح لإرادة القوة و التعبير بلغة صارخة و قوية و صادقة في زمن تميعت فيه المفاهيم و صارت رخوة و مترهلة.
و قد يخطر للسجين أن يتساءل، لأجل من أهدرت زهرة العمر و بسمة الشباب؟ فتجيبنا جميعا، لأجل فلسطين التي لا يليق بها إلى القدوم و الاقبال مع الريح أو مع الفجر حاملا في الكف قصفة زيتون أو حبات قمح من أجل المتعبين و الجائعين و الصابرين المتعففين. و موعدنا العرس الأخير في ساحة الحرية. موعدنا عند فجر قادم لا محالة يكون فيه النصر نصرنا كما صرحت بذلك.
رأيتك كثيرا تتساءل داخل الأسر و تطرح مفارقات قوية، أنا الأسير بين الأمل و الموت الزاحف، لكنك تذكر أن الذاكرة الفلسطينية لا تنسى، و لأجل ذلك تنبعث من المنفى و الأسر، تطير على شكل حروف مرصوصة مرصوفة لا يأسرها السجن و لا الوهن و لا الشجن.
مونولوغات بين-ذاتية مفعمة بالشموخ و الإباء و الرفض و الصدح بالحقيقة في وجه كل قواد باع نفسه للشيطان، فدى حياته بالوطن و فديت أنت الوطن بحياتك و القربان هو الجسد المطعون غدرا من القريب قبل البعيد، من الحبيب قبل العدو، و ما أقسى ما كانت تعابيرك أخي أبا حمدي حين عبرت عن وجع الطعنة التي تأتيك من يد كنت تظنها حانية و من سلاح كنت تتوهم أنه يحمي ظهرك، صورة حاولت تأملها، أي نظرات كانت في عينيك حين أحسست بسكين الغدر يخترق حشاك، و حرقة لو كان لها صوتا لدوت داخل كل صدر يحمل ذرة من وفاء.
تجوب تجوب الموضوعات و تأوب إلى فلسطين الأم التي تتجمع حولها الحكايات، و كنت في حواراتك الذاتية نسرا يحلق في سماء القدس عاليا عاليا عن أقزام ملأوا المدينة، وجدتك في نصك الجذاب “بطولة لا تنكسر” طفلا صغيرا حالما يعود للطفولة، لخبز الطابونة و حديث الجدة و مشاوير الصغار البريئة لصخرة الوادي و ندى الصباح… و فجأت تشيخ يا عزيزي تشيخ و تتذكر أن رجالا عظاما رحلوا و تركوا خلفهم وجيعة و أمة مهيضة، لكن هي الراية رايتنا لا بد أن ترفع، أعلنتها لا بد أن ترفع.
و في نثرياتك أيضا هم و غم و ذات تفكر في الحياة، تعبر عن قلق الحاضر و المستقبل، عن الأرض و معاولها و المصير، فتصدمنا بمشعل الذي قتل غدرا و هو يحمل فأسه ساجدا للأرض، فبكينا و بكت السماء مطرا غزيرا، هي الأرض التي تحب من يحبها، الذين يتناسلون في الظلام ليرفعوا لواء العزة صباحا.
عبرت أيضا عن قلقك إزاء القضية و هو قلق مشروع فتساءلت لأي لحظة نمضي و نحن نحمل النعوش؟ و خواطر أخرى عن المصير بعد الأسر. و لا مصير غير طريق الحق الأبلج.
كنت رقيقا حين خاطبت فلسطين ب “صغيرتي” تهدئ من روعها و تطمئن بالها، ذاك الطفل صار حضنا للأم التي أنجبته، فطوبى لها بابن بار مثلك.
الوحدة كانت ظاهرة في النصوص، إذ يحدث أن تدخل مع ذاتك في حوار داخلي بين القلب و العقل، بين الخلجات و الأفكار، بين طعنة فلسطين و طعنة العمر الذي يهدر بين حيطان باردة. و هو إحساس وارد خصوصا حين ترى أيادي الخيانة تعلو و تعلو كل يوم. لكن الثابت هو الأمل في وطن بلا عساكر حاقدة.
بعض النصوص كانت تعبر عن الحب، و عن حبيبة خانت و أنت ساجد في محراب عشقها، فمن ذي تجرؤ على خيانة بطعم الخسارة كهاته، أهي أرض ما عادت كالأرض؟ أهي آدمية لا تفهم رسائل العشاق؟ أهي ذاتك التي لربما لا تطاوعك دائما؟ أهي تعبير عن سقوط الأوباش و الخائنين كما أوردت في “السقوط”؟
و في “الانتظار” بحث عن الحبيبة حرة طليقة، كم كنت شاعريا رومنسيا حين جعلت الحبيبة وجه فلسطين الوضاء. و من غيرها ستحوز هذا الحب من رجل لا يلين. و حلمت بالتفرغ لحبها هي وحدها بعيدا عن حرب الآراء، نصبتها ملكة، و أنت المتيم، كم كان احساسك صادقا في هذا الحب النقي.
تكلمت كثيرا عن خوفك من الغياب، تتوق للحرية و لمعانقة هواء فلسطين العليل و تعود لتلعن الغياب و تتساءل إلى متى هذا الغياب؟ و أنت الحاضر الفكرة التي لا تموت و لا تغيب، فاهنأ هناك يا عزيز القوم، لقد نقشت اسمك في جبين السماء.
و لأن العشق ديدنك لا تنسى أبدا زوجتك الصابرة الصامدة بالخارج، الحاضرة التي لا تغيب و من فرط الحب تستأذنها في الحب “هل تقبلين؟” هل تقبيل بالقلب و الروح و الموت و الحب. و المرأة أيضا مليكة ابنة الأخ، حيث يد تمد الرسالة ليد، للتاريخ و المستقبل.
حلمت دائما بالحب و السلام و النور في لحظات صفاء روحي لا ترغب فيها إلا بأرض تحرثها بيدك.
هذا الحضور الأنثوي في النصوص دال على الانتماء للأرض و التمسك بالأصل و الجذور الضاربة في التاريخ. إنها أصالتك التي تقودك دائما لحب الحياة التي لم ترد بصيغة المؤنث عبثا، الحياة و الأرض و الجدة و الأم و الزوجة و حق العودة…
صور قاسية كثيرة تحدث عنها، عن الشوك و القهر و الغدر و الخيانة و الزنزانة و الدم المسفوك، لكن بعد كل واحدة من هاته الصورة كانت تلوح ذاتك التواقة للحياة و للعدالة و الوفاء… لم يكن هذا محض صدفة بل هي شخصيتك الإيجابية تفصح عن نفسها كلما مال بك القلم للانكسار. لقد كنت في نصوصك سيفا بتارا لا ينكسر و لا يهادن العدو و لا يهد أ، حتى تعود الأرض لأهل الأرض و تزهر الورود جنبا إلى جنب مع الأقاحي و السنديان و الزيتون…
و رغم كل ما قرأت تساءلت من تكون؟ لتجيبني في آخر النصوص، أنا الأسير الذي غازل البندقية و رضي بنفسه قربانا لحب أزلي يقهر السجان، الحلم المقيم بين الضلوع، أنا الفارس الذي لن يرتجل يوما عن فرسه قبل أن يرى الأرض عربية.
*كاتب من المغرب





