*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
مع توالي فصول العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بات واضحاً أن حجم التحديات التي تواجه موسكو، تزداد مع اتساع نطاق العمليات العسكرية الروسية، وبذات التوقيت، ثمة معادلات أطلسية تحاول الإيقاع بالدب الروسي في مصيدة الجغرافية الأوكرانية، لكن القيادة الروسية وبشكل مبكر، أدركت حجم المخاطر والتحديات الإستراتيجية للحرب في أوكرانيا، وأدركت أيضاً ضرورة الالتفاف على السياسات الأمريكية والأطلسية عموماً، مع وضع سيناريوهات متعددة لمسار العمل العسكري في اوكرانيا، إضافة إلى وضع خطط بديلة من شأنها إيقاع الخصم في وهم الانسحابات الروسية من منطقة لأخرى، وبالتالي، فإن قرار الحرب على أوكرانيا، لم يكن مُجرد قرار روسي وحسب، وإننا هو قرار احتاج شهوراً لتنسيقه ودراسة تبعياته، ووضع تصورات استراتيجية لمآلات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
وربطاً بما سبق، فإن الحديث عن انكسار روسي هنا أو هناك، لا يعدو عن كونه محاولة يائسة من قبل الغرب، لتدمير المنجزات الروسية، وإصابة الهدف الأهم، ألا وهو تدمير نفسية الجنود الروس، لكن العقيدة القتالية للقوات الروسية ترتكز على عناوين الانتصار فقط، وأي محاولات لكسر تلك العقيدة سيكون مصيرها الفشل، وعليه، فإن الحرب كرٌّ وفر، والانسحاب من منطقة ما لا يعني إطلاقاً الهزيمة، بل تعني في المشهد العسكري، إعادة ترتيب الصفوف، فضلاً عن إيهام العدو بانتصاره، ليكون الإطباق عليه قاتلاً، من هنا ربما يكون قرار مغادرة خيرسون هو الأصعب منذ بداية العملية العسكرية الخاصة نظرًا لأنها موطئ القدم الوحيد للجيش الروسي على الضفة اليمنى لنهر دنيبر، والسيطرة عليها تسمح للقوات بمواصلة التقدم برا في اتجاه أوديسا وعزل أوكرانيا عن البحر.
الأسباب الواضحة لاتخاذ القيادة العسكرية الروسية هذه الخطوة، تتمثل بجملة من المعطيات، يمكن ايجازها بالآتي:
– خطر عزل مجموعة خيرسون تماما عن القوات الرئيسية.
– وجود صعوبات في تزويد المجموعة بالمعدات والذخائر والمواد الغذائية بسبب خصوصية طبيعة التضاريس المتمثلة بالحاجز المائي الكبير الذي يشكله نهر دنيبر، حيث أن هذا العامل خطير جدا خاصة في ظروف الشتاء.
– الأضرار الناجمة عن الضربات الصاروخية على الجسور ومعابر الأنهار.
– الأنشطة التخريبية للعدو ضد العسكريين الروس وممثلي السلطات المحلية، التي تقوم بها المخابرات الأوكرانية وعناصرها المنغمسة بين السكان المدنيين.
– احتمال تدمير السد من قبل العدو وغمر الأراضي المجاورة.
وبالتالي فإن انسحاب القوات الروسية من خيرسون يؤدي إلى النتائج السلبية التالية:
1. امتناع القيادة العسكرية الروسية عن مواصلة العمليات الهجومية على الضفة اليمنى لنهر دنيبر على المدى القصير من أجل عزل أوكرانيا عن المنافذ البحرية.
2. نقل أفراد وعتاد القوات المسلحة الأوكرانية من اتجاه خيرسون إلى قطاعات أخرى من الجبهة، وهو ما يمثل ما بين 40 – 50 ألف عسكري حسب التقديرات التقريبية.
3. رفع الحالة المعنوية والنفسية للعدو.
ما هي المنافع التي سيكتسبها الجيش الروسي:
1. منع تطويق مجموعة القوات في خيرسون، والذي في حال حدوث اختراق في خط الدفاع، يمكن أن يؤدي إلى تدميرها بالكامل، وبالتالي خسارة آلاف أو حتى عشرات الآلاف من أرواح الجنود والضباط.
2. تقليص طول الخط الأمامي بأكمله، حيث سيؤدي ذلك إلى زيادة كثافة الوحدات على خط المواجهة وتقليل فرص اختراق القوات المسلحة الأوكرانية، بما في ذلك الوصول إلى شبه جزيرة القرم.
3. إمكانية الانتقال إلى الدفاع المنظم في ظروف الشتاء المقبل، وكذلك إنشاء خط دفاع على طول نهر الدنيبر والذي لن يتطلب توفيره الكثير من الجهد.
4. تمركز قوات كبيرة على قطاعات ضيقة من الجبهة لغرض العمليات الهجومية المحدودة، حيث يسمح هذا التكتيك بالتحرك ببطء، ولكنه يقلل الخسائر.
5. إمكانية إنشاء كتلة احتياطية لمواصلة العملية العسكرية.
6. تهيئة الظروف الهادئة لتدريب المجندين الذين ليس لديهم خبرة قتالية، وبالتالي الحفاظ على الأرواح.
في الوضع الحالي، يجب أن يكون مفهوماً أن خسارة الجيش تعني خسارة الأرض، أما خسارة الأرض مع الحفاظ على الجيش، تعني إمكانية استعادة الأرض، وقد اتخذت القيادة الروسية قرارًا صعبًا ولكنه متوازن ورفضت تحقيق الأهداف بسرعة من أجل الحفاظ على الفعالية القتالية للجيش من خلال التخلي عن جزء من الأراضي في الاتجاه الأكثر ضعفًا.
من وجهة نظر الخبراء الروس، سيتم التركيز الآن بشكل خاص على الدفاع عن محور زابوروجيه، حيث يوجد لدى العدو قوات احتياطية كبيرة متمركزة من أجل محاولة الهجوم في اتجاه شبه جزيرة القرم. كما أنه من وجهة نظر الإجراءات التكتيكية، فإن الانسحاب هو أحد أصعب أنواع المناورات العسكرية. لذلك، فإن التنفيذ الناجح لهذه العملية سيشير إلى أن القيادة العسكرية تسيطر على الوضع على مستوى عالٍ وقادرة على التخطيط بكفاءة لأعمال وحداتها في الظروف الصعبة.
*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا





