هل تصبح خيرسون بداية النهاية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

مي عزّام

 

 

أصبحت الحرب الأوكرانية عبئاً على العالم، وخصوصاً الغربي الذي يريد أن يتخفّف منها، خصوصاً مع بداية فصل الشتاء، والسؤال الآن: كيف يمكن أن تخرج جميع الأطراف المنخرطة في هذه الحرب من دون إحساس بالخسارة الفادحة المهينة؟ كيف يمكن تمهيد المسرح العالمي لإخراج مسرحية نهاية الحرب الأوكرانية من دون أن يضطرّ المخرج لقتل بعض من أبطال العمل أو لجوئهم إلى الانتحار السياسي؟ أسئلة كثيرة يطرحها الجميع، وخصوصا بعد انسحاب القوات الروسية من خيرسون، واعتبار أوكرانيا والغرب هذا انتصارا وإشارة إلى ضعف قدرات القوات الروسية على الاحتفاظ بهذه المدينة الاستراتيجية المهمة، حتى أن الرئيس الأوكراني زيلينسكي قال عن استعادة المدينة إنها “بداية نهاية الحرب” في بلاده، وأسرع إلى زيارتها وتفقد الأوضاع الميدانية فيها. واعتبر محللون استراتيجيون عديدون انسحاب القوات الروسية تكتيكياً، أما المحللون السياسيون فاعتبروا الأمر بمثابة هدية قدّمها بوتين للغرب للسماح ببدء المفاوضات ودليل على حسن النيات في ما يخصّ رغبة روسيا في التفاوض، وخصوصا أن هذا الموقف رافقته أخبار عن حثّ عدد من الأطراف الغربية أوكرانيا على بدء المفاوضات مع روسيا، للخروج من هذا المستنقع الذي يستنزف قدرات الدول الأوروبية، ويرفع معدّلات التضخّم ويخفّض من قيمة اليورو، ويضع العالم كله في أزمات غذاء وتضخّم وارتفاع أسعار.

وقد جرى الإعلان عن مباحثات بين أميركا وروسيا في أنقرة، وأعلن الجانب الروسي أنها جاءت بناء على طلب أميركي، ولم يعلن عن الموضوعات التي تطرّق إليها الاجتماع، وهل الحرب الأوكرانية كانت ضمن الموضوعات، أم أنه اجتماع للجنة الاستشارية الروسية الأميركية المعنية بمعاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت)؟ للتباحث حول إمكانية استخدام الجانب الروسي أسلحة نووية في أوكرانيا.

لو خرجت روسيا من الحرب في أوكرانيا باعتراف دولي بضم شبه جزيرة القرم، واتفاق مضمون بعدم دخول أوكرانيا حلف الناتو ستكون بذلك قد أثبتت قدرتها على الوقوف أمام الهيمنة الغربية

تحثّ تصريحات مسؤولين غربيين أوكرانيا على التفاوض، وجميعهم حلفاء ورعاة لها. مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، خلال اجتماعه أخيرا مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي، دعاه إلى التفكير في مواقف تفاوضية “واقعية”، حيث ذكرت المصادر أن واشنطن دعت كييف إلى إبداء الانفتاح على فكرة المفاوضات وإعادة النظر في هدف زيلينسكي المعلن استعادة السيطرة على شبه جزيرة القرم. كما دعت الخارجية النمساوية إلى إجراء مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا. وفي وقت سابق، قال نائب وزير الخارجية الروسي أندريه رودينكو إنه ليست لدى بلاده شروط مسبقة للتفاوض مع أوكرانيا، لكن كييف عليها أن تظهر حسن النية.

كما نقلت صحيفة “بوليتيكو” عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الخارجية الأميركية تحضر الأرضية لمفاوضات محتملة بين روسيا وأوكرانيا، وأفادت بأن كثيرين في البنتاغون يعتقدون أنه ستكون هناك “نافذة” للمفاوضات بين روسيا وأوكرانيا في الشتاء. كما قدّم الرئيس التركي أردوغان اقتراحا برعاية مفاوضات بين موسكو والغرب بشأن أوكرانيا، بما يرضي جميع الأطراف، واقترح أن تجمع المفاوضات بين روسيا وأميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.

وفي 5 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، نشرت صحيفة واشنطن بوست كواليس ضغوط أميركية مورست من الرئيس بايدن على الرئيس زيلينسكي، لإقناعه بالتفاوض مع الروس، وذلك لكسر قناعة أوكرانيا بأن الغرب سيستمر في دعمها حتى خروج آخر جندي روسي من بلاده، كذلك جاءت الضغوط لتحجيم الشروط الأوكرانية، حيث حدّدت الأخيرة شروطاً باتت مبالغاً فيها من أميركا وأوروبا، وهي انسحاب كل القوات الروسية من كامل الأراضي الأوكرانية، ودفع تعويضاتٍ مالية عن خسائر الحرب وتدمير المدن، وبند المحاكمة للجنود الروس والقادة، وحتى الرئيس بوتين.

تحثّ تصريحات مسؤولين غربيين أوكرانيا على التفاوض، جميعهم حلفاء ورعاة لها

المتوقع أن تختفي معظم هذه الشروط في الأيام المقبلة أو يجري تعديلها، حتى يمهد الطريق إلى المفاوضات، فهناك حالة تغيير حدثت في الولايات المتحدة، وعدد من الدول الأوروبية، تيار قوي يتشكل يرفض دعم حرب طويلة الأمد، فالخسائر باتت كبيرة، وبرد الشتاء امتحان قاس للحكومات والشعوب الأوروبية.

لا أحد يتوقع أن يكون التفاوض سهلا أوسريعا. ولكن بالتأكيد مع بدء التفاوض سيجري إيقاف العمليات العسكرية من الجانبين، وبقاء الحال على ما هو عليه، وستتقدّم روسيا وأوكرانيا بمطالبهما. وبالتأكيد سيكون سقف المطالبات عاليا، وهكذا يكون التفاوض دائما، وخصوصا حول الموضوعات الشائكة والمعقدة. سيتقدّم كل طرف بمطالبه، وسيحمل معه أوراق الضغط للحصول على أعلى المكاسب المتاحة والممكنة. لو خرجت روسيا من هذه الحرب باعتراف دولي بضم شبه جزيرة القرم، واتفاق مضمون بعدم دخول أوكرانيا حلف الناتو ستكون بذلك قد أثبتت قدرتها على الوقوف أمام الهيمنة الغربية. وهذا كافٍ جدّا، كما يمكن لأوكرانيا أن تستعيد الأقاليم الأربعة التى ضمتها روسيا مع الاعتراف لها بحكم ذاتي والتنازل عن شبه جزيرة القرم، مقابل حزمة مساعدات تقدّمها روسيا لإعادة إعمار أوكرانيا، وتعهد روسي بضمانات دولية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الأوكرانية. وسيكون الأمر مرضيا ولو فيه غضاضة، ويمكن حينها للدول الأوروبية أن تبدأ في التعافي الاقتصادي، وأميركا تستجمع تركيزها وقوتها في معركة المنافسة مع الصين وتحجيم صعودها المنتظر.

على كل الأحوال، العالم بعد الحرب الأوكرانية لن يكون هو العالم نفسه قبل 24 فبراير/ شباط 2022.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...