كأس العالم وتصحيح التمثلات عن العرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د الحبيب ناصري

 

 

 

مهما أحببنا كرة القدم أو ابتعدنا عنها، تبقى اليوم بمثابة لغة عالمية وفرصة اقتصادية وثقافية لتمرير العديد من التمثلات، بل وتصحيح أخرى. عالم اليوم، أصبحت فيه كرة القدم، ركنا من أركانه الأساسية. من خلالها من الممكن تحليل العديد من الخطابات البصرية المميزة لهذا العالم ولكل الفرق التي تمارس هذه اللعبة. هي اليوم، لعبة تمارس “سلطتها”، وجاذبيتها بصيغ عديدة.

ساعات قليلة، وتنطلق نسخة جديدة من كأس العالم، ولأول مرة، بدولة عربية خليجية وهي دولة قطر. عما قريب جدا إذن، ستصبح دولة قطر العربية، قبلة كل المهتمين بكأس العالم. سيتردد صوت هذا البلد العربي هنا وهناك. ملايين عديدة، إن لم أقل ملايير عديدة ومحددة من سكان العالم، ستسأل عن هذا البلد ومن خلاله عن العرب ككل. السينما الهوليودية، ولغايات دقيقة وخاصة بالمجتمعات الغربية ككل، رسخت صورة نمطية عن العربي. عناصرها معروفة اليوم. أقلها يرتبط بالدين والجنس والعنف، الخ. صورة روجتها العديد من وسائل الاعلام الغربية، وكلما وجدت بقعة ضوء حقيقة تمثل صورة العرب وما قدموه للإنسانية من عطاءات فكرية وعلمية متعددة، حاولوا مسحها بشكل او بآخر . طبعا لا وجود لبلد في هذا العالم لم يمر من الدورة التاريخية الخلدونية المعروفة. كل بلدان العالم، عاشت العديد من الصراعات والتطاحنات، الخ. يكفي أن نذكر ببيع صكوك الغفران في الكنيسة. ويكفي أيضا كيف كان الاستحمام محرما عندهم، وكيف ان العطر الفرنسي ولد في سياقات رفض الاستحمام، والذي كان طقسا دينيا مقدسا. لنذكر أيضا كيف كان “الطب”، عندهم يتلخص في ضرب الرأس بضربة حديدية، إيمانًا منهم بأن الرأس هو مصدر الأمراض برمتها. عديدة هي أوجه التخلف التي مر منها الغرب أيضا، ولم يولد وفي فمه ملعقة التقدم والازدهار. كل شعوب ودول العالم تمر من دورة الولادة والنمو والنضج والانهيار والعودة إلى نقطة البداية ومن ثم البحث عن منعطف جديد.
كأس العالم المنظم في دولة قطر، من الممكن أن يكون فرصة لتصحيح العديد من التمثلات الخاطئة عن صورة العربي. هذا العربي الذي مهما كانت صورته اليوم، “تتمرغ” في العديد من الصراعات المذهبية والطائفية واغلاق الحدود بين العديد من البلدان المنتمية لهذا الاطار الجغرافي والثقافي والحضاري، الخ، يبقى كائنا مسالما في عمقه محبا للحياة راغبا في الانخراط في بناء حضارة انسانية مشتركة. لم يولد العربي من فراغ. عشق الجمال والعلم واللغة وترك إرثا زاخرا في بلاد الأندلس. إرث شاهد على ما وصل إليه عقل وقلب العربي.

كأس العالم بقطر، من الممكن أن يكون بمثابة درس ثقافي، من خلاله تمرر رسالة مفادها أن العربي ليس هو ما رسخته سينما هوليود وغيرها من وسائط بصرية غربية عديدة عنه. طبعا، أصوات غربية، وعلى الرغم من قلتها، تعرف طبيعة مساهمة العرب في الرياضيات والبصريات والفلك والشعر والفلسفة والعمران، الخ.

كأس العالم بقطر، سيساهم بكل تأكيد في جعل المواطن الغربي العادي الذي صنعته آلة الاعلام الغربية، يكتشف ما يوجد بهذا البلد العربي من رغبة في التعايش مع الغير على الرغم من اختلاف المعتقد واللون واللغة، الخ. المواطن القطري، بطبيعته العربية كريم ومحب للكرم. شأنه شأن بقية دول الخليج وكل دول العالم العربي. الكرم حاضر في بنيتهم الثقافية الشعبية والدينية أيضا. بلد هو اليوم مصدر عيش لأسر عديدة من دول العالم العربي وغيره.

أكيد أن القائمين على هذه التظاهرة العالمية قد وضعوا في الحسبان، تسويق صورة بلدهم بطريقة تنسجم مع روح العصر. وهم يسوقون صورة جميلة عن بلدهم، تحضر بشكل أو بآخر صورة بقية دول الخليج العربي وغيره من بلدان دول العالم العربي ككل، نظرا للتاريخ المشترك الذي يميز العلاقات الموجودة بين دول العالم العربي على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها هذا العالم اليوم سياسيا على وجه الخصوص.

تمرير صورة العربي المنفتح على الغير والراغب في بناء حضارة انسانية مشتركة بلغة الحب والمعرفة والعلم والجمال، الخ، صورة ستحضر بكل تأكيد في هذه الكأس العالمية. مواطنون غربيون عاديون، سيكتشفون صورة عربي مغايرة عما تقذف به سينماهم وتلفزيوناتهم، ووسائط بصرية عديدة. طبعا نؤكد أن هذا الغرب غربان. غرب متمركز حول ذاته ولا يرغب إلا في حقيقة واحدة وكما يراها هو، وغرب آخر انساني ومحب لجميع الناس مهما كانت لغتهم وثقافتهم وديانتهم.
حظ سعيد لصورة العربي في هذه التظاهرة الكروية الكونية.

* كاتب من المغرب


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...