عوالم ضد الرغبة في «تلة يسكنها الأعداء» للسورية فدوى العبود

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*سعاد العنزي

 

 

تعد الكتابة النقدية عن مجموعة قصصية أكثرَ صعوبةً من الكتابة عن رواية أدبية ذات موضوع موحد ومتصل بثيماته المترابطة، في حين كتابة قراءة نقدية حول مجموعة قصصية ذات موضوعات متشعبة، يجعل القراءة النقدية تحاول بصعوبة لملمة شتات الموضوعات المتفرقة، إذ قلما نجد مجموعة قصصية ذات موضوعات متقاربة وأسلوب كتابي موحد.

نجح كتّاب قلة في الوطن العربي في الكتابة وفقاً لهذا الوعي القصصي بضرورة تقارب الموضوع والأسلوب اللغوي المستخدم والرؤية الفكرية، ومن أبرزهم الأكاديمية المغربية لطيفة المغربي، في مجموعتها القصصية «كوفيد الصغير» والقاص العراقي ضياء جبيلي في «لا طواحين هواء في البصرة» إذ قدمت البصير في مجموعتها الأخيرة يوميات كورونا، وتأثير ذلك الوباء في نماذج إنسانية متعددة. كما قدم جبيلي في مجموعته يوميات الحرب برؤية إنسانية، وبسرد مشبع بالروح التجديدية، قادر على طرح أشد الموضوعات كآبةً وسوداويةً، بلغة ساخرة تتخفف من الحزن قدر المستطاع.
وهذا يقودني إلى الحديث عن مجموعة «تلة يسكنها الأعداء» للكاتبة السورية فدوى العبود، ذات الموضوعات الفكرية المتقاربة والمتشابكة بلغة وأسلوب لغوي وفكري يبين أن هذه القصص أُنتجت في فترة زمنية متقاربة، من خلال اتساق الأسلوب الفكري واللغوي والفني، والطابع الوجداني التأملي للنصوص. عُرف عن الكاتبة فدوى العبود أنها كاتبة مقالات أدبية نقدية، وتكتسب هذه المقالات أهميتها بحُسبانها انعكاساً حقيقياً لثقافتها الرصينة، وقراءاتها الموسعة في الأدبَين العالمي والعربي. كما عُرف عن الكاتبة أنها تُبحر في ثيمات إنسانية، من وجهة نظر ما بعد حداثية، محملة برؤى الفلاسفة، حيث تخصصها الدراسي واشتغالها المعرفي. وبالنسبة لي، ولذائقتي الشخصية، أعد كتاباتها ومقالاتها الأدبية واحدة من القطع الأدبية الفريدة في الكتابات العربية، التي لديها قدرة رائعة على تشريح موضوعات إنسانية أصيلة بلغة شعرية تكون في تماس مباشر مع الروح، وبومضات ذكية قادرة على فتح مجالات للتأويل والتحليل النقدي، وكذلك الثقافي، وهذا ما يجعل تجربتها النقدية واحدة من التجارب الواعدة في مستقبل النقد الأدبي والثقافي. حقيقةً، قلما نجد نقاداً يأتون محملين بروح فلسفية إلى الأدب، على الرغم من أن نظريات النقد الأدبي والثقافي تكونت وتشكلت في مجالات معرفية نقدية فلسفية، وسيكولوجية، وسوسيولوجية ارتبطت بالدراسات الأدبية فأثرتها.
هذه الثقافة الفلسفية والأدبية الواسعة انتقلت إلى مجال القصة القصيرة، التي لم تكن فدوى العبود بعيدة عنها، بل كانت في فترات متباعدة تكتب هذا الفن الذي تميل إليه كثيراً، ولا تزال تهوى التجريب فيه بعد أن فازت بعدد من الجوائز الرمزية التي تؤكد قدرتها على الإبداع السردي مثلما أبدعت في مجال المقالات الأدبية والنقدية.

تسيطر على مجموعة «تلة يسكنها الأعداء» ثيمات متقاربة ترتبط بعدد من النصوص بروح كافكوية، فالتأثير الكافكوي يتضح في مقالاتها ونصوصها النقدية بكثرة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة. ربما لا ينطبق الأثر الكافكوي على نصوص فدوى العبود وحدها، لأن التيار الكافكوي في الأدب العربي – مُذ بدأ يتسلل بدءاً من عام 1947 من خلال تقديم طه حسين له إلى اليوم ـ في ازدياد كبير. يدعونا هذا إلى التساؤل: لماذا كان كافكا مؤثراً إلى هذا الحد في الأدب العربي، ولاسيما الرواية والقصة القصيرة؟ في سبيل المثال، يقدم كل من فيصل الحبيني في مجموعته «أبناء الأزمنة الأخيرة» وعبد الله البصيص في روايته «طعم الذئب» رؤيةً وإدراكاً لهما بعدٌ كافكوي، إضافة إلى رؤية محلية. يبدو لي أن سببَ تأثر كثير من الأدباء العرب بالحالة الكافكوية، أن كافكا قدم لنا أدباً يحاول أن يعري الطريقة التي يجري بها تشكيل البشر وقمعهم ووضعهم في قوالب محددة تلغي فردانية الفرد وفرصة تكوين ذاتٍ أصيلة تبتكر مسارها الخاص، لا أن تكون مجرد أثر للآخرين. كما توضح حِنة أرندنت:
«لقد أراد كافكا أن يقيم عالماً يتوافق مع الاحتياجات البشرية والكرامة الإنسانية، عالماً تحدد فيه أفعال الإنسان نفسه، ويحكم بقوانينه الخاصة القوى الغامضة التي تفيض من أعلى أو أسفل. وإلى هذا، فإن أكثر رغبات كافكا حدة كمنت في أن يكون جزءاً من هذا العالم، دون أن يهتم بأن يكون عبقرياً أو تجسيداً لنوع من أنواع العظمة» (أرندنت، إضاءات لفهم الواقع).

بدءاً من القصة الأولى، تقتفي الكاتبة الأثر الكافكوي؛ تمثل القصة الأولى وجوداً في الزمن الخطأ فهي ليست قصة أحداثٍ، وليست ذات حبكة متماسكة، لكننا نجد التفاصيل الهامشية ذات دور في التأمل والتحليل وبناء التصورات. تتحدث القصة، على نحو بليغ، عن تسويغ تهمة الوجود في المكان الخطأ لدى الضعفاء والمنبوذين والمهمشين الغائبين عن الصورة الكاملة، كما يتضح في النص التالي: «الذهاب نحو الهاوية، هذا ما يفعله التسويغ بالكائنات، التي تحتاج إلى مسوغ لوجودها». يدور الحدث الرئيس حول فتاة تسكن في مكان، وتنظر من خلال النافذة إلى حفل عيد ميلاد صديقتها. تموت بعد أن يلتفت إليها الموت قائلاً: «وأنتِ، ماذا تفعلين هنا؟!» في المجموعة القصصية تتجاور شخصيات الموت مع الحياة، والطيبة مع الشريرة، وتستثمر الكاتبة فكرة الموت والغياب والحضور، حيث يتجاور الموتى والأحياء. هذا التداخل بين عالمَي الأحياء والأموات يلفت النظر إلى فكرة انتفاء الرحيل والغياب، فليس ثمة موتى يرحلون إلى الأبد، بل إن الموتى يبقون معنا – نحن الأحياء – كما أنهم يزورون أحبتهم للاطمئنان عليهم كأحد أشكال الحضور. فكرة الموتى تستثمر في أكثر من بُعدٍ دلالي، بحيث إنها تبين ملاحقة الفرد لكل أسباب الحياة، والتمسك بها، لكن الحياة تستغني عنه على نحوٍ عشوائي، بلا سبب.

ففي قصة (زيارة 1) تقول البطلة: «حاولت إقناع الحياة بأني جديرة بها، لكنها لم تقتنع». قصة لافتة تتحدث عن أم تزور البيت بعد وفاتها للاطمئنان على ابنتها لور ذات القلب المكسور، فتستغرب المرأة وجود امرأةٍ قد حلت محلها في البيت، وتتحدث عن جيرانها الرجال المتقدمين في السن، في القبر، وحول حل اللغز الذي يُشكل عليها فهمه. في القصة التي تليها، تناقش الكاتبة فكرة أخرى، وهي تَجَاور القاتل والقتيل، المجرم والضحية في المقبرة، وتحاورهما، أحدهما مع الآخر، عندما يصيران ميتَين، وهي قصة (زيارة 2). في المقبرة، يتجاور الجندي القاتل والضحية، ويتحاور الموتى: «كيف نتسلل إلى حياة الأحياء دون أن نزعجهم؟». كما يتضح، فإن هذا الجندي قاتلٌ، ويطرح سؤالاً مهماً: ماذا لو تتجاور قبور القاتلين والضحايا ويتكلم مع أم القتيلة لور.

فكرة الاستسلام

أما في النص الرابع في المجموعة، (مرآة مسننة الحواف) فيحضر استدعاء صريح لكافكا ومسألة البوح والحرية في التعبير ومراقبة الذات، وتهكم الساردة الواضح: «الحمد لله أني لست حشرة». يبرز ذلك في تساؤل مشروع لدى بطلة القصة، التي تشير إلى فكرة تحول عوالم كافكا الافتراضية إلى عوالم حقيقية من خلال تمديد الرؤية الكابوسية، حيث تقول الساردة: «ماذا لو أصبحت عوالم كافكا عوالمنا الحقيقية؟ ماذا لو اكتسح المجتمع القمعي المجتمعات الراهنة؟ لكن، ماذا لو حدث العكس وتحولت مدنه الكابوسية إلى مدن لا نهائية؟ ماذا لو تناسلت كائنات ومدن كافكا وخرج منها آلاف المسوخ المنقلبين على ظهورهم؟».

في هذه القصة تتحاور البطلة مع أعمال كافكا، ومع دون كيخوته سرفانتس، ومع لجنة إبراهيم صنع الله، وفكرة الاستسلام التي نصحت بها أم البطلة، بالطريقة المثلى في التعامل مع الوجود، وهي النظر إلى المرآة وليس إلى الأشخاص أنفسهم. يبدو أن النص يحشد كثيراً من النصوص الأدبية ليتحاور معها، ويسجل لحظة قلق وجودية من تفاقم الشر في «تلة يسكنها الأعداء». كما يبدو النص مثقلاً بالأعمال الأدبية، وقد يوحي بالاستعراض الثقافي لمَن لا يعرف الكاتبة حق المعرفة، ويدرك أن هذا الحديث الأدبي ليس وليد الورق والكتابة حسب، بل هذا هو نقاشها اليومي المعتاد.

في النص الذي يليه (قصاصات منتهية الصلاحية) تناقش البطلة أيضاً فكرة حصة كتابة التعبير في المدرسة، التي يتعلم فيها التلاميذ الكتابة بتقليدية محضة، فتعري العملية التعليمية بأكملها، التي تعتمد التقليدية في كل شيء، وتعدُ بذلك شكلاً من أشكال الأنظمة القمعية. يتعلم التلاميذ في حصة التعبير كتابة تعبيرات جاهزة ناجزة، في حين تتعب البطلة في كتابة القصاصات التي تتراكم لديها يوماً بعد يوم. تتحول المدرسة إلى محكمة، والمدرسون إلى قضاة، والمجازات مادة جاهزة للتبديل والتغيير حسب الموضوع الربيع/ الوطن. الأب المحبط بخيبة ابنته/ الأم الداعمة لها… إحباط الآخرين. هذا المجتمع المحكوم بأنظمة سابقة له تقهر الإبداع، وتحارب الأصالة والفردانية، وتدافع عن التشابه، وتكره الاختلاف، هي التي تحارب الإبداع والمجاز والتصورات الفريدة لمجتمعات أكثر إنسانية.
من الطبيعي، إذا كان العنوان «تلة يسكنها الأعداء» أن الموت ينسل إلى كل الفضاءات، إذ حتى التعبير يتحول إلى كتابة فاقدة لأي معنىً من معاني التجديد والابتكار، فهو مجرد مساحة للمجازات الميتة والمستهلكة. وتقف البطلة أمام مجتمع جاهز الصنع، ولغة مستهلكة، موضحة أنه قد تم الدخول في هذا النظام اللغوي المُعد على نحوٍ مسبق. هذا النظام اللغوي جاهز الصنع يشكلنا بطريقة من الطرائق. يتضح وفقاً للتصوراتِ اللغوية الحداثية أن اللغة صنعت نظاماً من التفكير لم يكن للفرد أي إسهام فيه، وهذه أزمة بنيوية تحضر بكثرة في المجتمعات التقليدية التي تخضع لكل الأنظمة الفكرية واللغوية المتوارثة منذ القدم.

على غرار الكتابة الكابوسية الكافكوية يتحول فعل البكاء الطفلي، بصيغة المبالغة، إلى دائرة متسعة من البكاء، حيث تتبع في قصة (البكاءة) تضخيم فعل البكاء، ويتحول بكاء الطفلة على السكاكر إلى بكاء الحياة برمتها بعد الحرب وتدمير كل تفاصيل الحياة. تتحول فكرة البكاء من طفلة تبكي على متطلبات الصغار، مثل السكاكر، إلى بكاءة على الراحلين بسبب الحرب. تقدم القصة الموتى والمصلوبين عبر مشهد مرعب: «أوقع على أوراق تسلم الموتى، وأمضي بعيداً. بعدها، يقول الجندي: هذه المرأة لم تذرف دمعة واحدة لأجل كل هذه الدماء».

ضمن تصوير الكاتبة للأزمات الوجودية التي يعانيها الأفراد في المجتمع، لا تنسى وهي تعالج الأزمة الوجودية أنها تنطلق من كونها امرأة كاتبة تعي جيداً وضعية المرأة في المجتمعات البطريركية التقليدية، التي لا تزال تدخل الحروب، لكن بأقنعة جديدة أكثر حداثةً. تقابل العبود بين معارك النساء ومعارك الرجال، موضحةً أن كلاً منهم له حربه الخاصة، فقد تبين أن أقسى حروب النساء تظهر في الحب، أما الرجل فمعركته لأجل الغنائم والمكتسبات، وما المرأة إلا واحدة من هذه الغنائم. في قصة (المرأة التي تميل نحو الأرض) تقول: «النزوة هي حرب النساء، وبينما يتعارك الرجال على الأرض والكلأ والمغانم والذهب والبورصة، فإن النساء يخضنَ الحروب في أمكنة أخرى». هنا، تربط الكاتبة الحرب بالحب، وتقارن بين معارك الرجال والنساء: «ما الفرق بينهما، كلتاهما دماء ودموع مالحة. أنا وردة منكسرة، فلماذا انكسرت، ومَن كسرني؟ يتابع جسدها الميلان – هذه المرأة القوية، المرأة التي تميل نحو الأرض». موضحة أن على المرأة، حتى تنجو من كثير من الممارسات والانتهاكات، أن تقفَ ضد الرغبة في أن تتحول إلى آلة تقتل الرغبة، حيث تطرح بسخرية لاذعة: «برافو … امرأة ضد الرغبة».
هذا يحيلنا إلى المفهوم الذي سكته الأمريكية جوديث باتلر، التي شكلت جهودها أهم أطر الموجة النسائية الفكرية الثالثة، إذ نقدت مفهوم الأدائية التي تعيشها المرأة وفقا للطريقة التقليدية المتوارثة، والمشكلة لوعي المرأة وإدراكها لهويتها، وتالياً تقودها إلى الانقلاب على أداء دورها كامرأة ضعيفة تستقي دورها المتوارث منذ سنين، كما تقول مؤلفة «Gender Trouble». هي تقول باختصار إن المرأة صنعت أدوارها كمؤدية لِما يريده الرجل والمجتمع منها. ومن ثم، فككت هذا عبر معطيات لغوية واجتماعية. هذا الشيء قديم وله جذور تاريخية، ومن ثم، توارثته المرأة عبر العصور، ما يعني أن ضعف المرأة وتخلفها كل هذه القرون لم يكن طبيعياً، بل كان مصنوعاً اجتماعياً ولغوياً.

في القصة التي تليها، تمدد الكاتبة الأطروحة، وتغوص في أدوار المرأة وأدائيتها التي فرضت عليها، فتناقش في قصة (يقظة): فكرة الدم، النساء وضحايا الحروب. (يقظة) تذكرنا بـ»يقظة امرأة» لكيت شوبان. هنا، تعود فدوى العبود إلى التاريخ، وتحلل دور النساء الذي لم يتبدل إلا في مظهره، وتقف عند ركض النساء طوال التاريخ، وتعرض لكفاحهن في الحقول قبل أن تشرق الشمس، والطبخ وتجهيز الطعام: «لا تتوقفي.. اركضي.. منذ بداية التاريخ تركضينَ لأجلهم، والآنَ حان الوقت كي تركضي لأجل ذاتك. اركضي أيتها المحاربة.. هيا أيتها القوية، اركضي. والدها يتبعها بالفأس إلى الحمام». ولا يفوتها أن تختم القصة بنص ماركيز الذي يتقاطع مع الرؤية المقدمة في النص.

من الممكن القول إن قصص مجموعة «تلة يسكنها الأعداء» هي قصص التأملات والتصورات أكثر من كونها قصصَ أشخاصٍ أحياء من دم ولحم، يتحركون في فضاءات السرد، لأنها قدمت موتى وضحايا يرثون أنفسَهم، ويدينون الجرائم التي ارتُكبت في حقهم في هذا المكان المنغلق والمحدود، الذي تحول إلى مؤسسة رقابية كبيرة أحالت الأحياء إلى موتى.

ومن الطبيعي أن مجموعة «تلة يسكنها الأعداء» ستحيل الأشخاص إلى موتى وقتلى على نحو حقيقي أو مجازي، ففيها يفقد الإنسان معنى الحياة، وهي في حد ذاتها محاولة لفهم كل الخداع والتزييف، اللذين يشوشان على البصيرة، مثلما تقول: «لكن الأشياءَ تحتاج دائماً إلى سبب؛ لخداع العقل، والتشويش على البصيرة».

*ناقدة كويتية

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...