اللعبة الشعرية في مجموعة «صليات حب» للبناني محمد وهبة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*علي لفتة سعيد

 

 

الحب حرب أيضا لكنها حرب لصناعة الحياة، وليس لصناعة الموت. هكذا يريد الشاعر اللبناني محمد وهبة أن يقول في عنوان مجموعته الشعرية (صليات حب) ولهذا أيضا فإن هذه (الصليات) التي أراد أن يصنع منها حياة تدلّ على الجمال والأهمية الشعرية في صياغة الروح أن تكون قادرة على ممارسة فعلها، ليس الدفاعي أو الهجومي في الحرب، بل التمكّن من الفوز باعتبار أن المغادرة من صليات الحرب إلى صليات الحب هي الغاية الإنسانية للوجود.. لذا فهو يفترض لعبة شعرية ترتبط ارتباطا وثيقا ليس بالحرب وما متعلق بمفردة (صليات)، بل بالحب وما متعلّق به من روح. ويثبت ذلك، الإهداء الذي أراده مفتاحا وعتبة أولى للمجموعة، التي تبيّن أنه يريد صنع الجمال في زمن القبح والمصالح الأنانية والإنابية ولا معنى للكلمة، لكنه يقول أيضا يهديها للطبيعة الجميلة والليل وسكونه وللصباح وشروقه، والى الزمن الجميل الذي رحل لكنه ما زال يشرق في قلبه.

أنه إهداء طويل لكنه مهم لمعرفة المفردات التي ترد في النصوص الشعرية والغاية التي جعلته يصنع بابا مهمّا لمدينته الشعرية على شكل صليات سريعة متتالية ومتوالية، ليبني على ضوء ذلك عالمه الشعري الذي سنكتشف أنه يعمل على تفعيل لعبته الخاصة في هذا الاتجاه الشعري الذي يحمل المعنى والقصد من خلال استخدام المستويات الكتابية في عملية التدوين.

إن البنية الكتابية في المجموعة تقودها اللعبة الشعرية، التي تأخذ ثلاث مساحات.. الأولى: العنوان وهو حلقة الوصل لبوابة العنوان الرئيس.. الثانية: المتوالية الشعرية في تناغم المفردة والسطر الشعري مع الموسيقى التي أرادها أن تبدو وزنا للنص، من خلال طريقتين في بناء النص الواحد.. الأولى الاحتكام إلى القافية التي تأخذ شكل القصيدة الحرّة التي تلبس ثوب القصيدة النثرية، أو الاحتكام المباشر إلى قصيدة النثر مع إلباسها ما استطاع نوعا من الموسيقى في السطر الشعري، وإن كان بقافيةٍ مختلفة.. أما المساحة الثالثة فهي: التوزيع المقطعي الذي يعتمد على وجود كلمة تكرّر مرّة، أو تقطيع جملي كانتهاء قافية ومجيء أخرى.. أو فرش المعنى الكلي على شكل أسطر شعرية تلبّي طموح الفكرة التي ترتبط بالحب ولا شيء غير الحب.

ولهذا نرى أن المساحة الأولى التي تبدأ من العنوان الرئيس للنص الواحد، الذي لا يخرج عن مدار كواكب الحب لديه، بل هي تسبح فيه مثل مركزية الحركة الدائرية.. فنرى في النصوص عناوين أحبيني/ الحب المقدس/ امرأة من جنة/ أنا الحب/ بوابة الحب/ توازن الحب/ توهج عشقي/ جلسة من نور.. وغيرها من العناوين التي تأتي باعتبارها البوابات الصغرى للبوابة الكبيرة العنوان الرئيس.

ثم تبدأ اللعبة التدوينية لديه عبر الاحتكام إلى مفردات بسيطة تشكّل قوام الفكرة والقصيدة.. مثلما تشكّل المعنى والهدف، وسواء كانت هذه المفردات تحمل نفسها الشعري المركب، أو أنها تحمل معناها المباشر والمفهوم، فهو أرادها أن تكون بسيطة تصل إلى المتلقّي الذي قال عنه في إهدائه أنه لم يعد موجودا، وكأنه يريد به العودة إليه كي يكون أكثر فهما.. وقد استخدم هذه الطريقة لسببين. السبب الأول: إن قصيدة الحب في زمن الكراهية لا تحتاج إلى تعقيد بلاغي. فهو يريد صناعة وزراعة المفردة التي تصل إلى مقاصدها بسرعة.. والسبب الثاني: إن قصيدة الحب والجمال لا تحتاج إلى تأويلٍ مخفي يبحث عنه المتلقّي، بقدر ما يحتاج إلى فهم القصيدة ومغزاها، وكأنه يريد أن يعيد القصيدة (القبّانية) إلى واحتها الأولى.. وبجمعه للسببين نجد الشاعر قد اتّخذ لعبة المغازلة المباشرة، ليكون حديثه موجّها من الذات/ الشاعر، إلى الآخر الذي هو متنوّع.. مرّة يأتي على شكل أنثى وأخرى على شكل متلقٍ، والثالث على شكل وطن، وما بين الثلاثة يقبع البوح القصدي لمجريات النصّ ذاته.
إن اللعبة التدوينية في القصيدة الواحدة استخدمت عدّة مستويات من مستويات البنية الكتابية..

أوّلها: المستويان الإخباري والتصويري، وهما هنا يبرزان في الاستهلال على شكل تعريف، فيكون المستوى التحليلي الذي يتركّب عليه ما تبقّى من القصيدة.. أو على شكل تمهيد أوّلي للوصول إلى المستوى الفلسفي للحب. وهو بالتالي سيكون على المتلقّي فهم البساطة في المفردة مع القصدية في التأويل لإنتاج هذا المستوى:
(الماضي فاكهة الحاضر
الحاضر حديث الماضي
المستقبل أمل مقدس)
أو(هناك تحت الشمس
عند المغيب
هناك فوق سطح البحر
مديد بعيد
حيث الدفء)

ولهذا نجد أن الشاعر كان معنيا ليس في الشكل الخارجي للنص أو اللعبة المعقدة لفاعلية الجملة الشعرية التي تحتاج إلى جهد تفكيكي، بل كان معنيا بإيصال المعلومة عن أهمية الحب حتى إن كان صعبا أو قاسيا أيضا بقدر ما يفرش تحليلاته الغائية على مساحة القصيدة الواحدة، وكأنه يعلن قناعته الخاصة في هذا الاتجاه.

والمستوى الثاني: وهو المستوى التحليلي الذي يأتي مرة على شكل مغازلة مباشرة او على تبرير استخدامه لبنائية كهذه أو لعبة شعرية. وهو ما أكده في نص (هذه قناعاتي) التي كانت عبارة عن رسالة كأنها المحمول الدلالي لكل دلالات وأدلة المحتوى الشعرية للنصوص، أو هي حاصل جمع النصوص لتكون القاسم المشترك لها:
(لأجلك تشرق الشمس
وتغار منك
لأجلك ولد القمر
ويتنكر بك
لأجلك ولد النبض
في القلب
ولد النور في العين
زهر الورد في البستان)

المستوى الثالث: المستوى الفلسفي المبثوث داخل المستوى التصويري، ما يعني محاولة الاستمرار بالتحليق والهيام لإيصال المحتوى على شكل رسالة مخاطبة مباشرة وكأنه يحدّث الآخر/ هي/ المرأة/ الحب
ولهذا نجد أن النص في نهايته يأخذ بعدين مهمين.. الأوّل: البعد الخلاصي للمعنى كرسالة وهو يأتي ضمن المستوى الإخباري، دون أن يقترب من المستوى التحليلي:
(بل إعلان حبٍّ
شروق شمس
ورحيقا دائما)

والبعد الثاني: النهاية المفتوحة التي يتركها للمتلقّي لمعرفة الزاوية التي ينطلق منها، وهو هنا يعتمد على المستوى القصدي، الذي يأتي في أغلب الأحيان بطريقة مباشرة.
(أنت إنجيل وقرآن
أنت جرس وأذان
أنت مهد الحضارات
أنت سيد الأوطان)
هذه المجموعة أرادها الشاعر أن تمتلك قوّة المواجهة مع النصوص الشعرية الحزينة التي تجلد الذات، وأن يعاد إنتاج الحب ولو على شكل صليات، وأن تكون قادرة على التماهي مع حاجة الإنسان/ المتلقّي إلى جرعةٍ تنفعه في التشبّث بالحياة/ الجمال.. لذلك استخدم المفردة البسيطة والبناء المتعاقد واللعبة القصدية.

*كاتب عراقي

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...