بين أنقرة والقاهرة…مصافحة أم مصالحة!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

زيد عيسى العتوم

 

 

لقد شهد التاريخ وانبرت عدسات المصورين لتوثيق العديد من المصافحات التاريخية بين زعماء العالم, وسُلّطت الاضواء حينها على لقاء الاعداء والمتحاربين أملاً في كونه ربما بداية جديدة لعلاقةٍ يغشاها السلم ويغمرها الانفراج السياسيّ, وكان بعضها تفسّره الصدفة “البريئة” تارة, أو تسوّغه مجموعة من قواعد المجاملة والبروتوكول الدوليّ تارة أخرى, ويكون ذلك متوقعاً في بعض المناسبات والمحافل الدولية من باب الدبلوماسيّة والتحضّر, فالرئيس الأمريكيّ الأسبق أوباما قد صافح راؤول كاسترو في حفل تأبين نيلسون مانديلا في جوهانسبرج, والملكة الراحلة إليزابيث قد صافحت بعض أقطاب أيرلندا الشمالية وجيشها الجمهوري في العام 2012, والرئيس الراحل ياسر عرفات قد صافح إسحاق رابين لإقامة الدولة الفلسطينية الموعودة وبلورة ما سُمي بسلام الشجعان!.
بعيداً عن المنافسات الكرويّة وصراع الملاعب تحت مظلة الفيفا, ربما كانت المصافحة بين الرئيس أردوغان والرئيس السيسي تحت مظلة الدوحة حدثاً له خصوصيته المميّزة, لكن صورة تشابك الأيدي وأنصاف الابتسامات قد تعجز عن إشاعة الدفء في جبلٍ شبه راكدٍ من الجليد, وإكراماً للتاريخ وإنصافاً للحقيقة لا بدّ من استذكار بداية القصة, فالمصريون قد تمكنوا من إزاحة حكم الأخوان المسلمين بحشودهم المليونية وباستجابة جيشهم لمطالبهم, ليبدأ الجانب التركيّ حينها توجيه أبواقه السياسية والاعلامية ضد الواقع المصريّ الجديد, ولتُفتح وقتها وحتى زمنٍ قريبٍ أبواب أنقرة أمام القيادات الإخوانية الهاربة بأذرعها السياسية والمالية والتحريضية والمخابراتية بلا حدود, فماذا فعلت مصر المشغولة بلملمة جراحها, هل استضافت رموزاً من المعارضة التركية لشتم النظام التركيّ والإنتقاص منه!, وهل فتحت قلبها وعقلها ومخازنها أمام حزب العمال الكردستاني في حربه المزمنة ضد النظام التركي!, لم تفعل مصر ذلك.

قد تكون براغماتية الرئيس أردوغان مثيرة للإعجاب والدهشة في آن واحد, فالرجلُ بارعٌ في العزف على أوتار الشرق والغرب, والرجلُ مبدعٌ في إرضاء موسكو وعدم إغضاب واشنطن, والرجل القابع في حضن الناتو الداعم لأوكرانيا يوقّع اتفاقيات الحبوب والغاز مع خصم الناتو اللدود, والرجل الحالم بشرف الإنضمام الى الاتحاد الاوروبيّ لا يتوانى عن مناكفة وربما ابتزاز بعض دوله, لكن تلك الحرفية السياسية قد لا تجد ضالتها على أسوار القاهرة, فمن سيجعل القيادة المصرية تقبل بوجود المرتزقة والقوات الأجنبية على حدودها الغربية, ومن سيجعلها تنظر بصمتٍ الى حفارات النفط والغاز التركية في مياه ليبيا الإقليمية, ومن سيجعلها تفكّ بعض عُرى التفاهم والتطابق والتحالف مع الجانب اليونانيّ والقبرصيّ اللذين أثبتا مصداقيتهما بعد سنينٍ من التعاون والاحترام المتبادل, ومن سيجعلها تقبل بالخطوط الطويلة والمسطرة التركية الغريبة على رقعة مياه البحر المتوسط قبالة شواطئها, ومن سيجعلها أيضاً تتقبل التواجد العسكريّ التركيّ على الأراضي السورية والعراقية تحت مسميات المحافظة على الأمن القوميّ التركيّ, ثم من سيجعلها تجبّ الماضي وتنسى دروسه بمنتهى السهولة!.
لقد كانت صورة مصافحة الرئيسين جميلةً, رآها الكثيرون كأول نقطةٍ في الغيث بين تلك القوتين الإقليميتين المؤثرتين, لكن التفاؤل الذي قد يمنحنا هدوء الاعصاب في أحرج الاوقات, قد يقف مكبلاً أمام تحديات الجغرافيا السياسية الرهيبة.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...