*غسان الإستانبولي
بعد أكثر من أحد عشر عاماً على إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن حلمه الكبير، الذي أوحى له بأنه سيؤمّ المسلمين في الجامع الأموي بدمشق، استيقظ على واقع يقول أن هذا الحلم لم يكن إلا أحد أضغاث أحلام عثمانية بائدة وبالية، ومشكلة الرجل هي أن لقاءه مع الرئيس السوري بشار الأسد أصبح أحد أهم عوامل تخليصه من تبعات حلمه هذا، وإعادته إلى أرض الواقع، الذي يقول بأن لدمشق صوتاً وازناً في الانتخابات الرئاسية التركية القادمة، ولذلك نراه يتوسل من يساعده في قرع أبوابها، مصالحاً، معتذراً، علّه يحظى بهذا الصوت أو بعضه.
ولأنها كثيرة الأطراف المعنية بالمصالحة التركية السورية، سنحاول أن نقرأ كيف تتعامل هذه الأطراف مع موضوع المصالحة.
● تركيا
لا يخفى على أحد أن الانتخابات الرئاسية هي محرك الحياة السياسية في تركيا الآن، وهي التي تتحكم بإيقاع كافة الأطياف السياسية، سواء كانت موالية أو معارضة، وبسبب الفجوة الكبيرة بين النظام الحاكم، وبين الناخب التركي، نجد أن أركان النظام هم أكثر المتحركين، ولاسيّما على المستوى الخارجي، ومعروف أن هذا الفجوة هي وليدة السياسات الخاطئة لأردوغان، وخاصّة مشاركته في الحرب على سوريا، وما رتبته تلك المشاركة من أعباء أرهقت الاقتصاد، وبالتالي الحالة المعيشية للمواطن التركي.
من غير الواضح سبب تأخر أردوغان بطلب المصالحة مع سوريا، فقد يكون ذلك لأنه أحس بهول الخطر على نظامه السياسي، وقد يكون لكي يتذرع لاحقاً بضيق وقت تنفيذ شروط دمشق للمصالحة، وبالتالي يجني ثمار هذه المصالحة انتخابياً، لينقلب بعدها على ما تم الاتفاق عليه، أو ليُماطل في التنفيذ كما هي العادة.
من المعروف أن ورقة المفاوضات التركية مع سوريا هي ورقة كانت بيد المعارضة التركية منذ سنوات، ولكنها فشلت في استثمارها بسبب ضعفها، وعدم تقدمها بأية خطوة عملية تجاه دمشق، ليخطف النظام الحاكم هذه الورقة ويجيّرها كخطوة انتخابية خارجية، تضاف إلى خطوات داخلية تجلّت بإبعاد العراقيل المؤثّرة التي قد تمنع فوزه، مثل إقصاء عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو عن خوض الانتخابات الرئاسية، وذلك من خلال تصنيع حكم قضائي ضدّه، كونه يعتبر منافساً قادراّ على هزيمة أردوغان، ومثل محاولة حلّ حزب الشعوب الديمقراطي المعارض، بذريعة دعمه لحزب العمال الكوردستاني، بهدف منعه من المشاركة في الانتخابات القادمة.
● سوريا
الجميع يعرف، ويعترف بالقدرات الهائلة للدبلوماسية السورية الحالية، والتي أثبتت نجاحها بكل المفاصل والتفاصيل ولذلك نرى أن هذه الدبلوماسية تتصرف مع كافة الملفات ببراعة ودراية وصبر ومن هنا أتى رفضها أو عدم ردّها على طلب المعارضة التركية لزيارة دمشق في هذه الفترة كذلك من هنا يأتي تعاملها مع اندفاعة أردوغان بمنتهى التروي وعدم الاستعجال لأنها تدرك أن المصالحة السورية التركية قادمة لا محالة ولو بعد حين ولأنها تدرك ان المصالحات التركية مع بقية الدول مثل السعودية ومصر والإمارات ما هي إلا جوائز ترضية أما الجائزة الكبرى لمن سيحكم تركيا في السنوات القادمة فهي المصالحة مع سوريا ومن حقّ دمشق بل من واجبها أن لا تعطي هذه الجائزة إلا لمن يلبي كافة طلباتها المُحقّة والمعروفة ولذلك يُعتقد أن المفاوضات قد تستمر طويلاً رغم المناشدات التركية ورغم الضغوط الروسية ورغم العمل المتواصل من قبل اللجان المعنية بهذه المفاوضات وما يعزز موقف دمشق بتمسكها بهذه الورقة هو ثقتها بتأثيرها على الناخب التركي بدليل تصريح صحفي لعمر أونهون وهو آخر سفير تركي في سوريا حين قال “المصالحة مع مصر تجعل الدبلوماسيين سعداء، لكن بالنسبة للناس العاديين فهي ليست مهمة، سوريا فريدة من نوعها، لأن مشاكلها تؤثر على الناس في الشارع في تركيا بشكل مباشر، وخاصّة قضية اللاجئين، قد يؤثر ذلك حتى على كيفية تصويت الناس”.
● روسيا
منذ اتخاذ روسيا قرارها بالدخول الروسي في منطقة الشرق الأوسط، اتّبعت مع تركيا سياسة الثواب والعقاب، ولكن بعد مباشرة موسكو بالعملية العسكرية في أوكرانيا مالت كفّة الثواب بشكل واضح، حيث حاجة روسيا الماسّة لأنقرة، وخاصّة بعد العقوبات الغربية عليها، مما جعلها وبسبب موقعها الجيوسياسي نافذة مهمة لروسيا، لذلك ليس بمقدور روسيا حالياً الاستغناء عن دور تركيا، ولذلك تسعى بشكل حثيث لتوطيد الاستجرار فيها، مع قناعتها الراسخة بأن بقاء أردوغان على رأس السلطة هو شيء مهم جداً لضمان هذا الاستقرار، لذلك تُغدق عليه بالعطايا التي مع الوقت ستجعل تركيا هي حلقة النفط والغاز والتجارة الأولى في العالم، وهذا الاستقرار التركي لا يكتمل بغير عودة العلاقات التركية السورية إلى سابق عهدها، نظراً لتأثير القضية السورية الكبير على الداخل التركي، وبطبيعة الحال فإن انتهاء الحرب في سوريا يصبّ بشكل مباشر في مصلحة روسيا، من باب المصلحة أولاً ومن باب الصداقة ثانياً.
● الولايات المتحدة الأميركية
لم تُخفِ واشنطن امتعاضها واعتراضها على محاولات بعض العواصم للتقرّب من دمشق، وخاصّة أنقرة وأوصلت هذا الامتعاض بطرق دبلوماسية حيناً، وبطرق عملية أحياناً أخرى، مثل توجيه أوكرانيا لمنع عودة الطائرة التي تُقلّ وزير الدفاع التركي وفريقه من موسكو عبر الأجواء الأوكرانية، وذلك بعد لقائه مع وزير الدفاع السوري، وغير ذلك من خطوات.
ومن المُلاحظ بوضوح حالة الارتباك التي تعيشها أميركا في سوريا، وخاصّة بموضوع التقارب التركي السوري، لأن هذا التقارب لو اكتمل سيكون عاملاً مهماً وسريعاً في إنهاء المسعى الأميركي لإقامة كيان كردي مستقل في سوريا، وبالتالي عاملاً في تسريع خروج الأميركي منها، وهنا تكمن معضلة واشنطن، فلا هي قادرة على التخلّي عن تركيا، وخاصّة بعد العملية الروسية في أوكرانيا، بسبب الدور الكبير الذي تستطيع تركيا القيام به لصالح أحد طرفي النزاع موسكو أو واشنطن، ولا هي قادرة على تلبية الطلبات التركية لاسيّما تخليها عن مشروع الكيان الكردي المُستقل في سوريا، ولذلك تحاول تدوير الزوايا لطمأنة أنقرة، من خلال توسيع دور العشائر العربية على حساب دور الفصائل الكردية، وخلق مُكون جديد في المنطقة، ومن ثم إيجاد أرضية للتفاوض بين تركيا وبين هذا المُكون الجديد، كذلك من خلال طرح فكرة توحيد “قسد” المدعومة أميركياً، مع ما يُسمى “الجيش الوطني السوري” المدعوم تركياً، وغير ذلك من خطوات، وبنفس الوقت لا تستطيع الضغط على الدولة السورية لإجبارها على الرضوخ للمطالب التركية، لأن واشنطن استنفذت كلّ وسائل الضغط.
● إيران
قيل ويُقال الكثير عن مصالح مُتضاربة بين كلٍّ من إيران وروسيا في سوريا، ومنها موضوع التقارب السوري التركي وكلّ تلك الأقوال تجافي الواقع والمنطق، فمن الواضح أن إيران وروسيا تنسّقان مع بعضهما ومع سوريا كلّ خطوة بهذا الخصوص، ولو نظرنا بواقعية لرأينا أن مصلحة إيران أيضاً تكمن في مصالحة تركية سورية، وذلك من منطلقين أساسيين أولهما صداقتها لتركيا ومصلحتها معها، خاصّة في ظلّ ما تتعرض له طهران من عقوبات، والثاني تحالفها مع سوريا، وهنا تكمن مصلحة إيران بعلاقات مستقرة وجيدة بين دمشق وأنقرة، وعلينا أن نتذكر أن إيران شكّلت على الدوام ضامناً لكلّ جولات الحوار بين الحكومة السورية وبين المعارضة، وبمعنى أدقّ بين سوريا وتركيا.
ختاماً، لو نظرنا بعين واقعية إلى ما قد تصل إليه هذه الاندفاعة التركية، لرأينا أنها قد لا تحمل الكثير من النتائج المُبشّرة، أقلّه على المدى القريب، وذلك لعدّة أسباب، أولها هو أن الوقت الضيّق المُتبقي للانتخابات التركية لن يسمح بمفاوضات شائكيه ومتفرعة، وإن سمح فلن يسمح بتطبيق مفرزات هذه المفاوضات على الأرض، والمشكلة التي تواجه ترحيل بعض هذه المفرزات إلى ما بعد الانتخابات التركية هي عدم التزام الرئيس التركي بوعوده، حيث عوّدنا على أن لا نُحمّل وعوده على محمل الثقة حتى ولو كانت بضمانة دول كبرى، بل أكثر من ذلك إذ أصبحنا لا نعتبر هذه الوعود قد أصبحت ناجزة حتى بعد البدء بتنفيذها لأن أردوغان ببساطة وسهولة قد ينقلب على كلّ وعوده ويتراجع عن تنفيذها، أو عن إكمال ما بدء بتنفيذه، حيث تكون مصلحته الشخصية هي المؤشر الأول والمعيار الأهم.
* كاتب وباحث سياسي سوري





