*دكتور/ طلعت غنيم حسن
يكاد المراقبول الماليون يجمعون على أن ديون مصر تراكمت إلى حدٍّ ينذر بمشكلات مستقبلية – لا سمح الله – سوف يعانيها الاقتصادي المصري، ويتوقع اقتصاديون استمرار ارتفاع الدين الخارجي والمحلي لمصر خلال الفترة المقبلة. وأنا أخشى أن لا تحظى مصر مستقبلاً بفرصة إعفائها من ديونها كما حدث على عهد الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك حين أعفى نادي باريس مصر من ديونها المستحقة له آنذاك وكانت بحوالي 25 مليار دولار، وأعفت الولايات المتحدة الأمريكية مصر من ديونها العسكرية البالغة آنذاك 7.5 مليار دولار، وأعفى إخوتنا من قادة بلدان الخليج العربي ديون مصر البالغة حينذاك حوالي 7.5 مليار دولار أخرى كانت مصر قد استدانتها من المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الكويت، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وسلطنة عمان.
ووقع ذلك الإعفاء طبعاً في أعقاب مشاركة مصر الفعالة في حرب تحرير الكويت ضمن التحالف الدولي الذي قام بشن الحرب على الاحتلال العراقي في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي أورد بلاده موارد التهلكة.
وجاء في موقع وزارة المالية لجمهورية مصر العربية، لعام 2022م، أنه “شهد الدين الخارجي لمصر خلال السنة الأخيرة زيادة تقدر بنحو 23.3 مليار دولار وذلك كنتيجة أساسية للاقتراض عن طريق إصدار سندات دولارية بقيمة 7 مليارات دولار”، وجزء من قرص صندوق النقد الدولي بقيمة 2.75 مليار دولار”.
وفي الإجمال، “ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى نحو155.7 مليار دولار في نهاية مارس الماضي 2022م مقابل نحو 145.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2021، بحسب بيانات حديثة نشرها البنك المركزي المصري على موقعه الإلكتروني”. والآن ربما يربو الدين الخارجي لمصر على 160 مليار دولار، وطبعاً حجم خدمة هذا الدين الكبير ربما تحرم مصر من فرصة ثمينة للتنمية لمستقبل أفضل!
ديون مصر تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال 10 سنوات
وحسب المراقبين فإنه “تضاعفت ديون مصر 3 مرات خلال الـ10 سنوات الأخيرة، خاصة بعد ثورة المصريين على حكم مبارك وانتفاضاتهم التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، حيث بلغت الديون عام 2011 تقريبا 34.4 مليار دولار، ثم قفزت خلال عامين 10 مليار دولار تقريبا. وبحصول مصر على قرض الـ9 مليارات دولار سيرتفع إجمالي الديون الخارجية، إلى 166 مليار دولار تقريبا”. وذلك القرض الأخير من صندوق النقد الدولي.
وجاء في موقع ميدل إيست آي (Middle East Eye, MEE) إنه ثمة عدد من الأسباب وراء ارتفاع الدين الخارجي لمصر منها ” أن الحرب في أوكرانيا حرمت مصر من مصدر مهم للدخل القومي، وهو السياحة، إذ جاء ما يقرب من ثلث التدفقات السياحية في السنوات الأخيرة من روسيا وأوكرانيا”. وذلك طبعاً ضمن أسباب أخرى.
ويقول تقرير بثته “بوميد” (Project on Middle East Democracy, POMED) والعهدة على الراوي: إن الحكومة المصرية أنفقت الجزء الأكبر من عائداتها المتاحة في السنوات الأخيرة على مشاريع عملاقة “لها قيمة رمزية وليست اقتصادية”، مثل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي تبلغ قيمته 58 مليار دولار في الصحراء خارج القاهرة؛ ومقتنيات الأسلحة التي لا تُعرف قيمتها الدقيقة، لكنها جعلت البلاد من بين أكبر 5 مشترين للأسلحة في العالم، ومفاعل نووي بقيمة 25 مليار دولار – بتمويل روسي – لإنتاج الطاقة في بلد لديه فائض في الكهرباء، وزيادة سعة قناة السويس بقيمة 8 مليارات دولار، ولم تأت بزيادة ملحوظة في رسوم العبور، إذ ارتفعت إلى 5.8 مليارات دولار فقط عام 2020 من 5.6 مليارات دولار عام 2017، وفق التقرير.
وقد تمخض ذلك كله عن ارتفاع حجم الدين الخارجي لمصر. ولهذا السبب دعت مصر دول الخليج الغنية بالنفط لإنقاذها، بما في ذلك إيداع مليارات الدولارات في بنكها المركزي لدعم الاحتياطيات الدولية وضخ الاستثمارات في السوق المصرية.
فرصة الإعفاء قد لا تتكرر مستقبلاً
في 4 سبتمبر 1990، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش إعفاء مصر من ديونها العسكرية للولايات المتحدة البالغة آنذاك 7.5 مليار دولار تقريباً. فبعد غزو القوات العراقية لدولة الكويت في 2 أغسطس 1990، قرر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، المشاركة في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير الكويت، بقوات قوامها 35.000 جندي مصري، فيما عُرف بعملية عاصفة الصحراء.
وفى ديسمبر عام 1990، عقد مؤتمر نادى باريس، وفيه أعلنت المملكة العربية السعودية ودولة الكويت شطب ديونها التى على مصر بالكامل وتبلغ 6 مليار دولار، وأعقبها إعلان كل من قطر والبحرين وسلطنة عمان شطب ديون أخرى بلغت 1.5 مليار دولار تقريباً، وبذلك بلغ إجمال الديون الخليجية المعفاة عن مصر حوالي 7.5 مليار دولار.
وطبعاً نادى باريس لا يضم ضمن عضويته أياً من الدول العربية، وإنما هو مجموعة غير رسمية مكونة من مسئولين ماليين ممولين من 19 دولة تعد من أكبر الاقتصاديات فى العالم وتضم الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وسويسرا، واستراليا، والنمسا، وبلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفنلندا، وأيرلندا، وإيطاليا، واليابان، وهولندا، والنرويج، وروسيا، وإسبانيا والسويد.
وهذه الدول الأعضاء في نادي باريس أعفت مصر من 25 مليار دولار دفعةً واحدة، وكان أمراً جيداً للاقتصاد المصري حينذاك، لأنه بذلك تكون مصر قد تخلصت من ديون بلغت أكثر من 40 مليار دولار فضلاً عن أعباء خدمة ذلك الدين.
وفي رواية أخرى، قال الرئيس عبدالفتاح السيسي في أحد تصريحاته، إنه تم اسقاط نحو 43 مليار دولار ديون على مصر خلال عام 1991، و”حجم الأموال التي أسقطت عن مصر في 1991 بلغت 43 مليار دولار منها ديون كانت مستحقة على مصر لنادي باريس وقروض أخرى، وذا أعطى للاقتصاد المصري فرصة”.
طبعاً فرصة إعفاء شطر كبير من ديون مصر الحالية – كما سبق إبان حرب تحرير الكويت وعلى المنوال ذاته – قد لا تتكرر مستقبلاً إلا إذا توافرت شروط مثيلة تقوم فيها مصر بدور فعال في أزمة عربية – لا سمح الله بوقوعها – أو أزمة دولية تقنع الشركاء العرب والدوليين بمقتضيات إعفاء جزء من ديون مصر الخارجية!
احتدام الحرب الضروس
وأرى أن ذلك صعب الحدوث في ظل الظروف الدولية الراهنة، وفي ظل احتدام الحرب الضروس الدائرة رحاها الآن بين روسيا وأكرانيا وانقسام المجتمع الدولي إزاءها، وفي ظل تأييد الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان الاتحاد الأوروبي لأكرانيا من جهة، وتأييد الصين وكثير من بلدان آسيا الوسطى لروسيا من جهة أخرى. كما أن كل المؤشرات تقول إن هذه الحرب لن تضع أوزارها الآن، بل سوف يطول أمدها إلى أجل غير مسمى بعد أن تكون قد أتت على الأخضر واليابس داخل أوروبا وخارجها.
ومن عواقب هذه الحرب استمرار اضطرابات سلاسل توريد الغذاء واستمرار معاناة الشعوب والحكام والدول بسبب موجات التضخم والغلاء الفاحش حتى أن بعض الدول زادت أسعار الغذاء فيها إلى الضعف وربما أزيد، وسوف يخشى الحكام طبعاً من عواقب غضب الشعوب وانتفاضاتهم غير المتوقعة.
وفي ظل هذه الظروف، سوف تعطي الحكومات أولوية لمواطنيها ولن تجازف بحذف ديون خارجية مستحقة لها على الغير حتى وإن كانت مصر العروبة – مصر التي تضمن استمرار السلام والتنمية وإيقاف نشوب الحروب في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط.
ولا يجب أن ننسى أن الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وغيرها قد ساعدت أكرانيا حتى الآن بما يناهز الـ 100 مليار دولار – وهي حصيلة مرشحة للزيادة وليس النقصان – جاءت على هيئة أموال وقروض معفاة ومبيعات أسلحة مجانية وراجمات صواريخ وذخائر وأحدث ما في جعبة الترسانة الغربية من أسلحة فتاكة وعتاد عسكري ليس له مثيل، ليستمر أوار الحرب استعاراً وتستمر معاناة العالم أجمع من هذه البلية التي لا يبدو في الأفق أية نهاية لها …
وهكذا فإن الحكومة المصرية إن ظنت أنها سوف تحظى بفرصة مثيلة في المستقبل، ولذلك فهي تستمرأ الاقتراض والاستدانة من الشركاء الدوليين، فإنها سوف تكون قد ارتكبت خطأ فادحاً من شأنه أن يعرض الأجيال المستقبلية من المصريين للخطر.
* باحث وصحافي مصري





