مهلا أيها الإنسان فقد خُلقت ضعيفا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. أحمد براو*

 

 

 

الذي يقرأ القرآن بتدبر وفهم وتعمق يدرك أنه بدون إلاه ومعبود لايستطيع أن يفعل شيئا من نفسه، لأنه عبد من عباد الله، هو فقط مخلوق منضبط بنظام معين في دقة بالغة رغم ما يمتلك من هامش الإختيار والبدار لما وهبه له الله من ملكات بدنية وحسية وعقلية، والتي هي مناط الإختبار والابتلاء، هذا النظام الذي نسير وفق ترتيبه ولا نستطيع الخروج عن دائرته ولو أردنا ذلك أو تمردنا عليه، ببساطة لأننا بشر نعيش تحت سمائه وفوق أرضه نأكل ونشرب من عطاياه لأننا محكومون بالسنة الكونية المتمثلة في الإيجاد والإمداد والبقاء والفناء ومجبرون تحت الحكمة الإلاهية ليس لنا من الأمر شيئا في اختيار تأريخ قدومنا إلى هذه الدنيا ولا زمان خروجنا منها، لم نتدخل في قبول أو رفض آبائنا وأمهاتنا ولم نستشر في اختيار الجنس واللون الخاص بكل فرد منا ولا المكان الذي نرى فيه نور الشمس في أديم هذه الأرض، نمرض ونشفى، ونتعب ونشقى، ونضل وننسى، ونخاف ونخشى وننام ونصحى.

– خلق الإنسان ضعيفا ولايزال

الإنسان ضعيف مهما بلغ من القوة ومهما كانت وجاهته ومكانته وأعوانه، ضعيف البنية ومحدود الإرادة، قليل العلم ونادر الصبر، ومن هذه الصفات ديدنه تأتيه الآفات تترى، شوكة صغيرة تعطل عمله ويفتك به فيروس لا يرى بالعين المجردة، لو انقطع عنه النفس وهلة لهلك دماغه، وإذا نزف عرق أو تجمد فيه الدم لأصيب بالجلطة والسكتة ولصار جثة هامدة .

-قل للصحيح يموت من غير علة # من المنايا يا صحيح ما دهاكا؟
-قل للجنين يعيش معزولا بلا # راع ومرعى ما الذي يرعاكا؟
-قل للطبيب تخطفه يد الردى # يا شافي الأمراض من أرداكا؟

لذلك يؤكد لنا القرآن مرارا وتكرارا قيمة هذا الإنسان فيقول الحق تبارك وتعالى: (“وخلق الإنسان ضعيفا.” النساء:28) حكم جل شأنه على جميع البشر بالضعف والعجز وقلة الحيلة وذكرنا بها حتى لا ننسى ولا يغيب عنا أننا فقراء ومحتاجون للسند والنصير والعون والظهير نلجأ إليه ونلوذ بجنابه ونستجدي حماه، لأنه ربنا وخالقنا وبارئنا، هو ولينا والقادر على دفع الضر والشرور عنا، وجلب الأمن والسرور إلينا، فنحن عباده بني عباده وبني إمائه ماض فينا حكمه عدل فينا قضاؤه لا ملجأ لنا ولا منجى منه إلا إليه. فنحن عباد الله الذي لا إلاه لنا غيره لا إله إلا الله معناها أي أننا لا نعبد إلا الله، ولا نشكر إلا الله، ولا نخاف إلا من الله، ولا نرجو ولا ندعو إلا الله، ولا نشكو إلا إلى الله ولا نعظم إلا الله، ولا نحب إلا الله وما يحبه الله ولا نبغض إلا ما يبغضه جل في علاه.

-ضعف الإنسان يحتاج للتوازن

من تدبر القرآن وتذكر آياته يدرك أن الله يمد المستجيرين بجنابه والمنطرحين ببابه والمتقربين له بما أوجبه عليهم بمزيد من العطاء ويصب عليهم منحه ونعمه بمزيد من القوة والمنعة، والتمكين والنجاة والنصرة والتأييد، ويبشرهم بالسعادة والطمأنينة شرط أن يخلصوا نياتهم في توجههم إليه ويستخلصوا قلوبهم وأفعالهم له، بالمقابل من استغنى عن الله وابتعد، وتكبر وتجبر، وعصى أمره وترك شرعه ومنهاجه وكله إلى نفسه وضعفه وعورته، فيسلب الله سعادته وطمأنينته وأمنه وراحته عند ذلك يكون في ضيق وضنك وقلق وعسر مصداقا لقوله جل وعلا “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا”.

وكما أن الضعف منقصة وعيب ولكنه يتناسب مع المخلوق العبد، أولا لإدارك أن الإنسان له ربا خالقا قويا وإلاها آمرا ناهيا فتستجيب فطرته لتستأنس بهذا الإلاه وتطيعه وتعبده بما شرع وتنفذ أوامره وتنتهي عن نواهيه وتستنير بهديه وتسير على صراطه القويم، ويتناسب هذا الضعف والخور مع عقل العبد ووجدانه وقلبه ليتحمل مسؤولياته كاملة حسب استطاعته بلا تكليف باهض ولا تفريط شائن، وليعلم أنه ليس وحده على ظهر هذه البسيطة، بل هناك من هو أقوى منك وهناك من هو أضعف منك وأنت تعيش بين قوة وضعفين في مراحل حياتك ” اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً” وهو بذلك يحتاج أيضا أن يقوى بغيره، بوالديه وولده والناس أجمعين فالمسلم ضعيف بنفسه قوي بأخيه لا يستغني عنه مهما كانت قدرته وقوته وكل ما يحتاج لتحقيق رغباته ليس في غنى عنه إذا ما انزوى وانغلق على ذاته واستقل عن غيره، بل يحتاج إلى من يعينه ويساعده ويتعاون معه على قضاء حاجاته، وتبادل خبراته، واستغلال قدراته، فهنا حاجة الإنسان لأخيه ليس عيبا أو مكروها بل هو محمودا ومطلوبا، فيد الله مع الجماعة والخير كل الخير في التوافق والتشارك والتعاون.

– أكثروا من ذكر ضعف الإنسان

موضوع الضعف البشري من البديهيات التي لا تحتاج لتوضيح فهذا الضعف ظاهر وواضح للعيان لكنه يحتاج له الإنسان لتذكرة كبريائه وتجبره وطغيانه يمكن أن نشبهه بالموت الذي يتربص بالإنسان في أي لحظة في حياته لكن ينساه ويتناسى أنه ملاقيه، وما شرع لما نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أن نكثر من ذكره إلا لنعترف بهذه الحقائق اليقينية التي لا مراء فيها، ونستسلم لحقيقتنا أننا بسطاء ضعفاء جهلاء وسنظل كذلك مهما بلغنا من العنفوان والتكبر ونستدرك ما أفسدنا بسب ظلمنا وغينا ولنصلح علائقنا مع ربنا ومع ما اقترفنا في حق عباده من ذنب أو ظلم أو تحقير.

*كاتب صحفي مؤسس مركز إسلامي بجنوب إيطاليا
رئيس فوروم مغاربة كالابريا
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...