الاتفاق النووي ورسائل إسرائيل الصاروخية.

 

 

 

*بقلم .. الدكتور حسن مرهج

 

 

حقيقة الأمر، إن المتابع للتصريحات الإسرائيلية المتعلقة بمسار المفاوضات النووية مع إيران، يُدرك جيداً حجم الإحباط لدى الساسة الإسرائيليين. هو إحباط يرتكز على مسارين، الأول الخوف المتعلق بالتوصل إلى اتفاق نووي وفق الشروط الإيرانية، والثاني مُتعلق بفشل المفاوضات والتي ستكون نتائجها وفق إطار زيادة التخصيب، فضلاً عن الوصول إلى امتلاك إيران سلاح نووي يُهدد إسرائيل.

في ذات الإطار، فإن القلق والإحباط الإسرائيلي من الناحية الواقعية، يبدو منطقياً، لا سيما إن إسرائيل تُدرك بأن العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، أقرب إلى المستحيل، كما تدرك إسرائيل، بأن المجتمع الدولي يُفاوض إيران على العودة إلى اتفاق 2018، وتضمينه تشديد الإجراءات الرقابية على البرنامج النووي الإيراني، للتأكد من التزام إيران بعدم تطوير برنامجها النووي. وعليه، فإن إطار التفاوض لا يخدم التطلعات الإسرائيلية، بل إن هذا الإطار نفسه يمكن أن يحول اتجاه الجهود الدولية من الضغط على إيران إلى الضغط على إسرائيل لمنعها من مواصلة سعيها المنفرد لمنع إيران من الوصول للعتبة النووية.

في المقابل، ثمة هواجس إسرائيلية في سياقات متعددة، إز تفترض إسرائيل أن المجتمع الدولي الزي يفاوض إيران، لا يعتمد مقاربات مغايرة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق، وبالتالي، فإن حالة الفشل ستؤدي وفق صانع القرار الإسرائيلي، إلى وضع عبء كبير على إسرائيل، لجهة تفردها في منع إيران من إمتلاك سلاح نووي، فى وقت تجمع آراء خبراءها الأمنيين والعسكريين على عدم قدرة بلادهم على مواجهة هذا الخطر بمفردها.

ربطاً بما سبق، فإن الإجراءات الإسرائيلية تنطلق وفق محددات ثلاث، الأول وضع الدول التي تفاوض إيران في إطار معادلة تقسيميه، بمعنى وضع الولايات المتحدة أولاً، وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ثانياً، وروسيا والصين ثالثاً، في أطر وجهات النظر المتعددة، وصولاً للاختلاف على شكل وماهية الاتفاق النووي، بما يُ‘طي هامشاً كبيراً لإسرائيل للمناورة، وامتلاك الوقت الكافي للانتقال إلى خطط استخباراتية معقدة، تعتمد على ضرب إيران من الداخل.

الإجراء الثاني الزي تعتمده إسرائيل، يرتكز على تغير طبيعة ونمطية الصراع مع إيران، من صراع بالوكالة، إلى صراع مباشر. الأمر الذي ترجمه رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق نفتالى بينيت فى مقابلة له مع مجلة «إيكونوميست» البريطانية بقوله: «إن إسرائيل باتت تتبنى مبدأ ضرب الأخطبوط وليس قطع أذرعه»، والذى يعنى تكثيف العمليات السرية ضد برامج إيران النووية والصاروخية والطائرات بدون طيار على الأراضى الإيرانية، بدلاً من استهداف وكلائها الإقليميين فى دولة ثالثة.

أما الإجراء الثالث، يعتمد على تشويه صورة إيران في المجتمع الدولي، والقول بأن سياسات إيران مُهددة للأمن والسلم الدوليين، وفى هذا الصدد تقوم إسرائيل بتقديم معلومات استخبارية وتقارير لمراكز أبحاث للوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد إخفاء إيران لمعلومات عن أنشطتها النووية، فالتقرير الأخير للوكالة فى شهر يونيو الماضى أكد أن مخزون طهران من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، القريبة من تلك اللازمة لصنع أسلحة نووية، وصل إلى المستوى الذى يكفي، فى حالة زيادة تخصيبه، لصنع قنبلة نووية. وذكر أيضاً أن السلطات الإيرانية لم تقدم حتى الآن إجابات شافية حول مصدر جزيئات اليورانيوم التى عثر عليها فى 3 مواقع غير معلن عنها، قبل سنوات.

ختاماً، قد تكون الضغوط الأمريكية والغربية تُجاه إيران، تعتمد على ما تقدمه إسرائيل من معلومات حيال برنامج إيران النووي، وعليه قد تُثمر المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها إسرائيل، في حالة فشل إحياء الاتفاق النووى إلى إرسال الملف الإيرانى مجدداً إلى مجلس الأمن لمحاولة فرض مزيد من العقوبات على إيران، وإن كان هذا التطور يواجه عقبات بسبب الموقف الروسى والصينى الرافض لفرض أية عقوبات ضد إيران خاصة مع تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من جانب وبين كل من روسيا والصين من جانب آخر بسبب تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية.

*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...