قراءة عاشقة في رواية منارة الموت للكاتبة الفلسطينية هناء عبيد

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم: أ. حسن المصلوحي

 

 

يبدو أن النصوص الأدبية التي تعالج مأساة الانسانية لن تتوقف يوما عن التناسل واحدا من ظهر آخر، مادامت هاته المأساة رفيقة الانسان منذ الأزل، إن هاته الرواية تكشف بكل وضوح ما رمى إليه عدد من الفلاسفة و المفكرين، فهذا “بليز باسكال” ينظر للكائن البشري بعين الشفقة، فنحن و إن كنا أعظم الكائنات و أرقاها منزلة إلا إننا أكثر هاته الكائنات مدعاة للشفة، فكلنا نعيش في هاته الحياة على شكل وجع و فجيعة كما هو الشأن مع “آدم” و “أبو الأحزان” و هانا و كل الكادحين الذين يطفحون التراب غصبا و قهرا، يختصمون الجوع و لا عدالة فوق الأرض تنصف نهمهم للوجود الحر الجسور، كلهم يتلظون النار، و المصيبة أنهم جميعا يستطيعون تصور حياة خالية من الشر و الغدر و تنكيل الانسان بالانسان، كلنا نستطيع تمثل حياة فاضلة جميلة سعيدة، يمسح فيها الخل الدمعة عن عين خله لكننا في الآن نفسه -و هنا المفارقة- لا نستطيع منع هذا الألم و هاته المأساة من أن تقتلنا في كل يوم.

إن ما وسمت به الكاتبة شخصية “آدم” في الرواية من سمات تعبير عن النبوة الصافية من المشكاة الإلهية بطهرانيتها، آدم الأب الأكبر الذي جبل على المحبة و الخير و السلام، و هو ذاته الذي غواه الشيطان فزل و زلت معه زوجه حواء، و هذا الشيطان “الفكرة” رافق آدم في رحلته القسرية نحو الأرض، فأصبحت الفكرة “الشر” مشاعا بين بني البشر، حيث النفوس المريضة التي تمرغ البراءة في الوحل و تضحك على المشهد، و الشر عند كاتبتنا لا يسكن الكبار فقط بل للصغار أيضا نصيب منه فلم نجد أبا نوى أو مدير آدم هما الشريران فقك بل أيضا أطفال الحي الذي يتنمرون على الكبار قبل الصغار أفليس الطفل الصغير شيطانا كبيرا؟ أليس الشر وراثة، يرثه الصغار عن الكبار؟ نعم، الصغار أيضا يمكن أن يكونوا أشرارا في بيئات تكرس العنف و الاحتقار و قانون الغاب، فوجدتني في كثير من صفحات الرواية و كأنني أعيد قراءة سيرتي الذاتية “الرغيف الأسود”، هنالك في براثن النفس البشرية التي اختارت الظلمات مقاما.

توغل الرواية في رسم تفاصيل المجتمعات الكادحة و ما تشهده من عوز و عجز، عجز منقوع في المهانة و الدونية، عجز أمام الرغيف و أحلام يذروها الواقع كما تذرو أوراق الأشجار رياح الخريف.
إن تنقل آدم و مشاهد الانسانية عبر هاته التحولات بين أزقة القرية و طرقات المدينة و محلات العمل تعبير عن التوازي الدائم بين الخير و الشر، بين الحب و الكراهية، بين السلام و الحرب، بين الحياة و الموت، فطريق الحياة لم تكن يوما ممهدة بالياسمين، بل بعوائق الموت، فالفقراء في الرواية منذورين للموت في أي لحظة، لكن رسالة الرواية كانت نبيلة و راقية، مؤداها ألا تسمح لأي كان بأن يمتهنك حتى و إن كانت نهايتك موجهة، فما أشهى الموت إذا كان على درب الكرامة، فرأينا آدم على غير طريق والده يهتدي للكبرياء و لا يخنع في طريق المنبطحين الآكلين المهانة.

لم تنس الروائية أن تضعنا أمام إحراجات و مفارقات كثيرة صارخة في الرواية، حيث ترسم أمامنا مثلا قرية رسمتها يد كائل بمكيالين، أكواخ جائعة في الجنوب و قصور متخمة في الشمال، فيها أطفال من جوع و وجع و آخرون من لذة و متع، فبأي روح سيواجه آدم الحياة و هو يرى صديقه في سعادة و هناء و سفر بينما هو في غم و هم و كدر؟ كيف سينظر للحياة و هو يمعن النظر في رجله المسلوخ و في حلمه الممسوخ برجل ذهبية؟ حلم يقتات على الأوهام، و أم لا تجد حلا غير تصدير الأوهام لفلذة كبدها. الحلم و الوهم صنوان في حياة المسحوقين، أولئك الذين خلقوا ليكونوا لعبا في يد المنعمين الذين اغتنوا من أراضيهم و اقتاتوا على دنانيرهم. حتى يجد الطفل نفسه في مساءلة قاسية للقدر، يتساءل هل النحس فطرة؟ أم أنه بفعل فاعل؟ و ماذا فعل القدر إزاء ذلك؟ ماذا فعل الأب و الأم؟ لا شيء. لا شيء، لأنهم لا يملكون من الأمر شيئا.

و آدم في الرواية هو أيضا الدهشة، هو دهشة البراءة من وقاحة الشر، هو الاحساس بغرابة هذا العالم الذي فقد البوصلة، و اغتراب الطيبين الأخيار بين القساة الأشرار، فذات البطل تستغرب ما لحق بهاته الانسانية من شرور صنعتها بنفسها، لأنه ببساطة يريد أن يرى ذاته في العالم، فهو الطيب الموثر الغيري المحب مقابل العالم الشرير الأناني الكاره.

لقد أبدعت الروائية في جعل خلفية الرواية موسيقى مسموعة، إنها سمفونية الشيطان التي تصم الآذان، و تجعل الناس يلهتون وراء مصالح ذاتية حقيرة، مصالح تعبر عن عقم في التفكير، ذلك أن طريق الشر موصدة، فما يجعلك تسمح لنفسك بسرقة إكرامية طفل كادح سيجعل شخصا آخر يقتحم دارك و يسرق أشياءك، فحين نكون بصدد الإقدام على فعل شرير علينا أن نطرح السؤال: ماذا لو فعل جميع الناس نفس الشيء؟

إن القارئ الذي يرهف السمع للنص ليسمع أنينا تفصح به الكلمات، أنين قادم من أعماق الأرواح المعذبة المعلقة على مشانق الأسياد و لا مغيث. إنه ليسمع قهقهات الأثرياء، المنعمين الغاصبين و هم يمازحون بعضهم في مجالس الذئاب. إن هاته الرواية أصوات و نغمات و موسيقى كاملة، موسيقى بألحان مختلفة، فيها لحن الحب و السلام و فيها لحن الخيانة و الغدر، تلتقي فيها النقائض و تتصادم فيها الرغبات، رغبات في الانعتاق و رغبات في الاستعباد و الرابح واحد، إنه الشيطان. و من غيره؟

ظهر في الرواية نزوع واضح للطهرانية و الملائكية التي قد يستغربها بعض القراء، و لعل هذا راجع لرغبة الكاتبة في تكريس الصورة المثلى للإنسان، أو لعل مرده قدر هائل من الملائكية يكتنف ذات الكاتبة، فظهرت ألفاظ مستوحاة من عالم الأطفال و صور مشرقة و مزهرة يستجيب لها مخيال الطفل أكثر من مخيال الراشد، و هذا حقها طبعا، فالأدب في جانب منه رسم لعالم يتمرد عن هذا الواقع و لكن شريطة ألا يكون يكون على حساب واقعية العمل.

و من النزوع أيضا الميل البائن للمرأة على حساب الرجل، فالمرأة في الرواية مستضعفة صامدة مرابطة، و الرجل باستثناء آدم تقريبا نذل جبان قاسي لا يمتلك مروءة أو شهامة، و هذا أيضا مبرر فالكاتب كيفما كان الحال ملتزم بموقف شخصي، و حين نكتب تكتبنا مواقفنا و مشاعرنا بالضروة، و لكن الواقع كالذي ساقته هناء يشي بأن الجرح واحد، إنه جرح الانسان سواء كان رجلا أو امرأة، فكلهم في الهم سواء، تبحر بهم باخرة واحدة، اسمها الظلم. و حين يستشري الظلم تميل الأوزان و تخترق النفوس و تستشري أخلاق العبيد، تلك التي لا تهدف إلا إلى النجاة الفردية و بعدها فليكن الطوفان.

كل هذا يعود بنا أدراجنا لغلاف الرواية الذي يأخذنا نحو المحيط المترامي، نحو وقفة إنسان يرمي بيده و ناظريه إلى الأفق، إلى الآخر الموجود هناك في الضفة الأخرى، أن خذني إليك، لا أطيق العيش في هذا المنفى وحيدا، إنه تعبير عن عالم الرواية باعتبارها أنطولوجيا إنسانية شاملة، فيها المنارة المنتصبة هناك، عين الله جل في علاه، الشاهدة علينا في هذا الابحار و بين هاته الأمواج المتلاطمة، عين الحق الذي لا محيد عنه إلا من الذين ظلموا أنفسهم، عين ما يجب أن يكون الشاهد على ما هو كائن و كامن من أهوال، فهذا الانسان “الآدم” يتوق ليبلغ ذاك المراد، السعادة و الحرية، غاية تتطلب بلا شك إبحارا في وجه التيار، طيرانا في الأعالي، و لكن…
لكن
ماذا إذا كان ريشك منتوفا و مجاذيفك مكسورة؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...