سورية نقطة الإرتكاز في الشرق الأوسط.

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

 

بات واضحاً أن كل ما يحدث في المنطقة، يأتي في إطار هندسة نظام إقليمي جديد، وستكون دمشق نقطة توازن بين كافة القوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في ملفات متعددة. ويبدو واضحاً أن ما تشهده المنطقة من معادلات تهدئة، إنما تنطلق من محددات بدأت من سوريا وتنتهي إليها، وهنا لا نتحدث بعيداً عن الواقعية السياسية، وإنما ما نصبو إليه ونحاول مقاربته، يأتي حُكماً نتيجة صمود سورية في حربها، وفشل كل ما خُطط له إقليمياً ودولياً تُجاه سورية خاصةً، والمنطقة عموماً، ونتيجة لذلك، بات ضرورياً البحث عن مخارج سياسية متعددة الاوجه، سواء في ما يتعلق بالملف السوري، أو اللبناني وصولاً إلى الملف اليمني، والأهم أن نجاح سورية في تخطي حربها، أعطى قوة مضافة إلى حلفائها وتحديداً روسيا وإيران، وعززت الصين تحركاتها في المنطقة وعموم الشرق الأوسط، انطلاقاً من أبجديات نجاح سورية في تجاوز المُخطط الأمريكي، لإقصاء روسيا والصين وإيران من المنطقة.

لا نُجافي الحقيقة إن قلنا، بأن ما تشهده المنطقة يتناغم في المضمون والأهداف، مع التغييرات التي فُرضت سورياً، بمعنى، كان يُراد لسوريا الدور والموقع الإقليمي المؤثر، أن يتم تحييدها عن مسار التطورات الاستراتيجية في المنطقة، والتي بدأت إبان غزو العراق، وصولاً إلى ما يُسمى الربيع العربي، لكن سوريا تمكنت في المقابل، من تعزيز نظرية أن الولايات المتحدة ورغبتها ليست قدراً لا يمكن تجاوزه، بل على العكس، فقد أثبتت سوريا ومن خلال الحرب الظالمة التي شُنت عليها، من تكريس معادلات إقليمية جديدة،كان لابد من الاعتراف العربي والغربي بها، وما نشاهده اليوم من توافد عربي على بوابة دمشق، ما كان ليتم لولا نجاح سورية في تحييد أهداف الحرب التي شهدتها، وبالتالي نحن اليوم أمام معادلة التحالفات الإقليمية والدولية الجديدة، وسورية بكل تأكيد عنواناً لا يمكن تجاوزه.

روسيا وحربها في أوكرانيا، والمصالحة الإيرانية السعوديه برعاية الصين، والرغبات السعودية بإنهاء حرب اليمن، والملف النووي الايراني، والدور الاماراتي في هندسة واقع جديد عنوانه سورية، وكذا الرغبات السعودية بالعودة إلى دمشق، والإعتراف بدورها الريادي في ملفات المنطقة. كل ذلك يتم وعلى مرأى من الإدارة الأمريكية، وبصرف النظر عن إحتلال بقع جغرافية سورية من قبل الولايات المتحدة، إلا أن الهيبة الأمريكية فُقدت جراء إنكسار مشروعها لعموم المنطقة، والبداية كانت من سوريا، وضمن ذلك فقد بات واضحاً أن جميع القوى الإقليمية والدولية بدأت تنأى بنفسها عن السياسات الأمريكية، الأمر الذي جعل من سورية معادلة ذهبية يخطب ودها الجميع.

تركيا أيضاً ومن خلال محاولتها تسلق موجة التحالفات الجديدة، ترغب أيضاً في خطب ود دمشق، لكن القيادة السورية تدرك جيداً أن المساعي التركية تنطلق من محددات انتخابية، يراها رجب طيب اردوغان ضرورية في سباقه الإنتخابي، لكن تمسكه بالورقة الإرهابية جعل من دمشق تستطلع المسار الذي يسلكه أردوغان، لا سيما أن الاجتماعات التي تمت في موسكو، لا تخرج عن الإطار السوري، ومحاولة سبر أعماق السياسات التركية، وعليه فإن أردوغان وضمن هذا المشهد، يبحث عن كرسي استراتيجي يُحقق له غايات سياسية في الداخل التركي وكذا في الخارج، لكن دمشق في المقابل، لها مطالب محددة، إن قام أردوغان بتنفيذها سيُمنح فرصة سياسية قد لا تتكرر.

ختاماً، لا نتحدث في الأمنيات، إنما ما نسرده بات واقعاً سياسياً، وترجمة ذلك تبدو واضحة في سياق ما تشهده دمشق من زيارات عربية لا تخلو من توجهات دولية، وبالتالي كما كانت دمشق قبيل الحرب التي شُنت عليها، ها هي تعود إلى مركز التوازن الإقليمي، وتتخذ موقعها الفاعل والمؤثر في عموم الملفات الشرق أوسطية.

*إعلامي وكاتب وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...