بقلم:عزيز لعويسي
ما أن تم تداول خبر اعتقال رئيس جماعة الفقيه بن صالح، والوزير السابق والبرلماني والقيادي في حزب السنبلة …، حتى أشهرت السكاكين أو “جناوة” على الأصح في وجه الرجل، ليكون حاله كحال البقرة التي بمجرد ما تقع أرضا، حتى تكثر حولها “جناوة” كما يقول المثل الشعبي، وكأنه، بات آخر رجل تطارده شبهة الفساد في بلد، قطع بشكل لارجعة فيه مع كافة أشكال الانحراف السياسي؛ وفي هذا الإطار، لن ننبش في حفريات ما يحيط بالرجل من شبهات فساد، احتراما لسلطة القضاء، ولمبدأ “قرينة البراءة”، ولن ننساق بهستيريا وراء من استعجلوا إشهار السكاكين أو حركوا “جناوة” يمينا وشمالا، بمجرد أن وطأت أقدام الرجل مدخل السجن المحلي لعين السبع؛
لكن بالمقابل، نستطيع القول أن الفساد أو على الأقل “شبهات الفساد”، باتت علامة بارزة في سلوك شرائح واسعة من السياسيين ومدبري الشأن العام، ممن ينعدم فيهم الضمير الوطني، مع وجود الاستثناء طبعا، بدليل ما يظهر على هؤلاء من صور الغنى الفاحش والثراء اللافت للنظر، في ظل محدودية أدوات الضبط والرقابة والمحاسبة، إلى درجة أن السياسة، تحولت إلى أقصر سبيـل ممكن، للارتقاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويكفي في هذا الإطار، استحضار على سبيل المثال لا الحصر، حالات كثيرة لعدد من المنتخبين الذين تحولوا بقـدرة قادر، إلى أغنياء وأصحاب مشاريـع وملاك أراضي وشقق ومنازل في وقت وجيز، دون أن يطالهم سيف ” من أين لك هذا؟”، وتأمل ما يحدث في مواسم الانتخابات من عبث وسعار وهستيريا، ومن استعمال للمال الحرام، ليس من أجل خدمة الوطن، ولا للظفر بشرف الإسهام في نمائه وبهائه، ولكن من أجل الصعود والارتقاء على أكتافه؛
اعتقال مبدع الفقيه بن صالح، لن يذيب جليد العبث والتهور، ولن يطهر تدبير الشأن العام من “قلة الحياء”، ولن يقودنا قطعا، إلى ما نتطلع إليه جميعا، من مواطنة حقة وديمقراطية حقيقية، ومن مجتمع متوازن يتأسس على دعامات الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية، وضوابط دولة الحق والقانون والمؤسسات، ما لم تحضـر إرادة حقيقية في “محاربة الفساد” و”القطع مع الريـع المستشري في عوالم السياسة والاقتصاد والإعلام ومجالات أخرى”، و”ربط المسؤولية بالمحاسبة” وتفعيل آليات “عدم الإفلات من العقاب” وتنزيل قانون “الإثراء غير المشروع أو غير المبرر”، و”التصدي الحازم لما بات ينخر جسد المجتمع، من فيروسات الأنانية والطمع والجشع والاحتكار”، بما يساهم في تخليق الحياة العامةُ ووضع الوطن على سكة الإقلاع التنموي الشامل؛
وهذه التدخلات، باتت أمرا لامحيد عنه، لاعتبارين اثنين: أولهما: تعمق بـؤرة الفساد والعبث بالمال العام، بكل ما لذلك من تمييع للممارسة السياسية وتوسيع دائرة اليأس والإحباط وانعدام الثقة في الدولة والمؤسسات، وثانيها يرتبط بما وصل إليه المجتمع من اختناق اجتماعي حاد، بعدما “المعيشة دارت جنحيــن”، في ظل موجة الغلاء القاسية، التي أضحت تهدد السلم الاجتماعي وتماسك الجبهة الداخلية، في وقت ينشغل فيه الساسة والكثير من مدبري الشأن العام، بالركض وراء ما تجود به السياسة من مكاسب ما ظهر منها وما بطن، وما تتيحه “بزولة الوطن” من لبن وحليب وزبدة وما تحتها وما فوقها؛
مجمل القول أن العبث والبناء لا يستقيمان، والفساد والنماء مستقيمان لا يتقاطعان، ولا يمكن قطعا بلوغ مرمى البناء والنماء والبهاء، أو صون اللحمة الوطنية أو تمتين الجبهة الداخلية، أو مواجهة خصوم وأعـــداء الوحدة الترابية للمملكة، إلا بشن معركة حامية الوطيس ضد الفاسدين والعابثين ومنعدمي الضمير، ممن اختاروا السياسة، وجهة مفضلة وآمنة للإضرار بالوطن وحرمانه من الحق في النهوض والارتقاء والوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، وفي هذا الإطار، من غير اللائق بل ومن غير المقبول، أن يراهن المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس أيده الله، على إدراك النماء الشامل وبلوغ التقدم والرخاء والازدهار والاستقلالية، في سياق جيوسياسي إقليمي ودولي مطبوع بالقلق والتوتـر، وموسوم بالتحديات المرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة، وفي ذات الآن، يصر بعض الأنانيين والانتهازيين والوصوليين، على عرقلة عجلة الوطن وحرمانه من الحق المشروع في النهوض والارتقاء والبهاء؛
ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، فالوطن فوق الجميع، ومحراب الوطن، لايمكن أن يقف أمامه، إلا من حافظ على عذرية السلوك، في مشهد سياسي يئن تحت وطأة العبث والأنانية وانعدام المسؤولية، وأحب الوطن بصدق ومحبة ووفاء، وأخلص للشعار الخالد “الله”..”الوطن”..”الملك”، وخدم الوطن بطهر وصفاء ونقاء…، وإذا سقط مبدع، فمن غيـر الصواب أن يلبسه البعــض وحده جلباب الفساد، فبدون شك، هناك “مبدعــون” آخرون، يعـبـثـون بجسد الوطـن بدون خجل أو حيــاء، يبدعــون في الحلب والنهب، ويتفننـون في مص الدماء والسلـب…، وهؤلاء لابد أن تطالهم سلطة المساءلة والمحاسبة والعدالة والعقاب، حرصا على قوة الدولة ومصداقية والمؤسسات، وصونا لما ننعم به أفرادا وجماعات، من أمن واستقرار وطمأنينة وسكينة، تحت ظلال وطن عزيز، ضحى من أجله الآباء والأجداد، إلى أن وصل إلينا سليما ومعافا، ومن غير اللائق أن نتركه بين أيادي العابثين والفاسدين والمفلسين؛ ونختم بالقول: اتقوا الله في وطنكم يا قوم، فالوطن باق، وأنتم راحلون، فطوبى لمن رحل، وقد أبدع من أجل الوطن بمحبة وصفاء ووفـاء، وما حب الأوطان، إلا من الإيمان …





