بقلم:عزيز لعويسي
موجة الأسعار وما خلفته من تدهور غير مسبوق في القدرة الشرائية والأوضاع المعيشية لشرائح واسعة من الموظفين والأجراء، كانت كافية بالنسبة للحكومة، للإقبال على طاولة الحوار الاجتماعي بحسن نية ومسؤولية، والمضي قدما في اتجاه إقرار زيادة عامة في الأجور، حرصا على السلم الاجتماعي وتماسك الجبهة الداخلية، وقبل هذا وذاك، رأفة بالشغيلة التي اكتوت بنيران أسعار، لم تكرس إلا الإحساس بالغبن واليأس والإحباط وانسداد الأفق، لكن، رياحها عشية فاتح ماي، جرت بما لا تشتهي سفينة الشغيلة، بالاكتفاء باستعراض حصيلة ما حققه الحوار الاجتماعي في قطاعات حيوية كالتعليم العالي والتعليم المدرسي والصحة العمومية، عبر الاستنجاد بأرقام ومعطيات، لن تحقق انفراجا ولا خروجا آمنا وسلسا من نفق الاختناق الاجتماعي، إلا الإسهام في زيادة طين الاحتقان بلة؛
وإذا ما تركنا حصيلة الحوار الاجتماعي في قطاعي التعليم العالي والصحة العمومية جانبا، نستطيع القول أن فاتح ماي يحل على الشغيلة التعليمية، في أجواء غير مسبوقة من الاحتقان المستشري منذ سنوات عجاف، والذي لم تنفع معه لا وعود “الحمامة” التي بشرت نساء ورجال التعليم بزيادة قدرها “2500” درهما في سياق وعودها الانتخابية، أو عدم التراخي في رميها بالحجارة إذا لم تتحقق هذه البشرى، ولم تكبح جماحه لا خارطة طريق، ولا جلسات الحوار الاجتماعي، بين الوزارة الوصية والنقابات الأكثر تمثيلية، بشأن النظام الأساسي المنتظر، الذي دخل مراحله الأخيرة على مستوى الصياغة، في أفق دخوله حيز التنفيذ مطلع شتنبر القادم؛
نظام أساسي يفترض أن تترتب عنه، آثارا مادية ملموسة على مستوى الأجور ومنظومة التعويضات والترقي والتحفيز، كما يفترض أن تتحقق معه شروط العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص، بما يحقق للمدرسة العمومية ما تحتاجه من مناخ مهني آمن ومحفز ومستقر، يضعها على سكة ما نتطلع إليه أفرادا وجماعات، من نهضة تربوية حقيقية، ترتقي بالبلد إلى مصاف الأمم والشعوب المتقدمة والمزدهرة والراقية، وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه أن نعلق على نظام أساسي لم يتم الكشف عن هويته بعد، فعلى الأقل، انطباعاتنا الأولية حوله كممارسين، شأننا في ذلك، شأن الكثير من الزملاء، تبقى “سلبية”، ولا ترتقي إلى ما هو مطلوب من “الأمل” و”التفاؤل”، ودليلنا في ذلك، أن خيوط الاحتقان التعليمي وصلت إلى درجة متقدمة من التشابك والتعقيد، يحتاج فكها إلى جرعات كبيرة من الجرأة والمصداقية والثقة وحسن النية، وما نلمسه من غياب “الإرادة الحقيقية” من جانب الحكومة، في إعادة الاعتبار للشغيلة التعليمية، التي تراجعت قيمة أسهمها في بورصة المجتمع، وباتت عنوانا للهشاشة والتواضع والشكوى والاحتجاج؛
وبدون شك، فطريق الاعتبار، تمر ابتداء وانتهاء، عبر تحسين حقيقي للأوضاع المادية والمهنية والتحفيزية لنساء ورجال التعليم، وهذا هو مدخل الإصلاح وسكة قطار خارطة الطريق، غير هذا، يبقى الاحتقان علامة بارزة في قطاع التعليم، وبصمة مميزة في يوم عمالي عالمي، ارتأينا توصيفه ب”فاتحقان” بدل “فاتح ماي”، دلالة على ما بات يطبع الساحة التعليمية من “كومة نضالية”، إزاحتها تقتضي كاسحة “نطام أساسي” محفز ومنصف وعادل وموحد، يصغي لنبض الشغيلة ويتفاعل إيجابا مع قضاياها وانشغالاتها وتطلعاتها بحسن نية، بعيدا عن خطاب الحسابات والهواجس المالية الضيقة، التي لا يمكن البتة القبول بالدفع بها، لأن فاتورة الاحتقان أغلى وضريبة الجهل أقسى …ولا يمكن أن ندع الفرصة تمر، دون تهنئة الشغيلة المغربية عموما والشغيلة التعليمية خصوصا، بمناسبة عيدها العالمي، وتقديم خالص العزاء لها، في رحيل حوار اجتماعي، حضر فيه “الحوار” وغاب فيه “الاجتماعي”…؛
مع دعوة النقابات إلى التعبئة الشاملة ولم الشمل، وتجاوز الحسابات الضيقة، والتحلي باليقظة اللازمة، دفاعا عن حقوق ومكتسبات الموظفين، والتصدي الحازم لما يهددهم من مخططات ملعونة ومشؤومة، على رأسها مخطط إصلاح نظام التقاعد، الذي سيكون في حالة تنزيله كما تشتهي الحكومة، تهديدا حقيقيا للسلم الاجتماعي، وحكما جائرا على الموظفين المتقاعدين، بقضاء ما سيتبقى لهم من العمر، رهائن الفقر وأسرى البؤس، في وقت تراهن فيه أعلى سلطة في البلاد، على التنمية الشاملة والحماية الاجتماعية …، عسى أن تتحلى “الحكومة الاجتماعية” بالرصانة والتعقل والتبصر، والبحث عن حلول وبدائل أخرى للإصلاح، غير جيوب الموظفين الذين ساءت أحوالهم الاجتماعية والمعيشية، ولم يعودوا قادرين على الصبر وتحمل المزيد من الصدمات …





