* الدكتور عبد الله شنفار
سبحان الله! بعض الأفكار والمُقاربات والنماذج المستورة من (على بَرَّه)؛ أي من الخارج والمستنسخة استنساخًا رديئًا؛ كانت كما يحلو لها أن تعبر عنها بلغة الآخر: «A la mode» تظهر في فترة من الزمان؛ فما تلبث أن تذهب وتختفي من التداول في القاموس والمعجم؛ دون معرفة سبب ولادتها؛ وسبب وفاتها؛ ودون أن يسلم لها: تصريح بالوفاة؛ وشهادة وفاة؛ وتصريح بالولادة؛ وعقد إزدياد؛ ومعرفة حتى مكان المقبرة التي دفنوها بها..!
ومن ذلك ما كان الجميع يردده من شعارات ومفاهيم في سنوات التمانينات والتسعينات مثل:
(الأفكار والبرامج حول الحقوق: الحق في الصحة؛ الحق في التعليم؛ الحق في السكن اللائق؛ الحق في الكهرباء والماء الصالح للشرب (…) والتحفيز الذاتي؛ والبرمجة العصبية؛ ومفهوم الحداثة؛ ومفهوم المشاركة؛ والهنْدرَة؛ والإدارة بالأهداف؛ ومقاربة النوع الاجتماعي؛ والحكامة؛ والالتقائية؛ وسياسة التقويم الهيكلي؛ وعقلنة وترشيد اختيارات الموازنة…)
حينها كنت بصدد تهيئ أطروحة حول: «عقلية الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية.. دراسة سوسيو-قانونية وتحليلية تركيبية» وكلي حماسةً وراء الهالة التي أحيطت بها تلك الأفكار والنماذج..! لكن في نفس الوقت كان يحد من هذا الحماس والاندفاع العاطفي في الشباب والأمل الشارد؛ وجود بعض العقلاء من أولي بقية؛ ينبهون إلى استخدام العقل الناقد وعدم الاندفاع والانسياق حماسةً كثيرًا وراء تلك الصورة الوردية التي رسمها البعض ممن استوردوها وقاموا باستنساخها؛ ومن ذلك ما قرأته حينها باللغة الفرنسية؛ حول معضلة استنساخ النماذج وغياب الابتكار والفعالية.
كنت في حيرة من أمري! تارةً أقول مع نفسي: «ربما هذا مجرد تبخيس وانتقاص من عمل المؤسسات والأشخاص..!»
وتارةً أخرى أردد في مونولوج داخلي مع نفسي؛ حتى لا أكون ساذجًا؛ يأخذ من مُلْقي الكلام يخرجه على عَوَاهِنِهِ؛ وأقول: «ربما هم على صواب؛ فالتفكير النقدي؛ هو حارس على بوابة العقل؛ هذا الحارس الذي يقوم بعملية تقويم الادعاء والأفكار قبل أن تسكن العقل.» كما يذهب إلى ذلك المفكر الكبير (عمرو صالح يس)؛ في كتابه: (التفكير النقدي؛ مدخل في طبيعة المُحاجَّة وأنواعها) من تقديم المفكر الاستراتيجي الكبير؛ الدكتور جاسم سلطان.
من الاستعارات المؤلمة؛ لمّا تجد أفكارًا ونموذجًا مأخوذًا من عند الآخرين؛ وليس له من الطابع المحلي أي شيء. المفكر المغربي الكبير؛ الدكتور محمد خمسي في محاضرة قيمة ألقاها بفضاء الأطر بجامعة سيدي محمد ابن عبدالله بفاس؛ وفي معرض تساؤله: ماذا ينتج عن عملية النقل واللصق (copper-coller) أي نقل ولصق النماذج دون أن تنبثق من واقع وخصوصيات مجتمعنا؛ هي كمن يقوم بتثبيت شيء لم ينتجه؛ يقول: «فمن الاختلالات التي عندنا الآن؛ أن المجتمع فقد توازنه، حيث هناك أناس يعادون كل شيء، وهناك ناس يريدون أن يكبلوننا بكل شيء، وعطلوا فينا حاسة العقل والقدرة العقلية، سواء بالمعنى التاريخي أو بمعنى الجوار. قضاؤنا وقدرنا أن لا نكون أغبياءً لا بالمعنى التاريخي ولا بمعنى الجوار.
فليس الجوار أكثر منا ذكاء. فأنت لما ترى نموذج الناس الذين نتكلم عليهم أي المغاربة الذين عشت معهم لم يختبروهم في مختبرات عالمية ليصبحوا متوافقين معه.» تستورد وتستنسخ دون معرفة السياقات العامة الكبرى التي نشأت فيها الأفكار؛ لماذا وكيف ولدت؟ ولماذا وكيف ماتت؟ فهي لم تولد من فراغات؛ وبالتالي يطرح السؤال حول معرفة مآلات محدوديتها أين هي؟ وفائدتها أين هي؟ وأين تبدأ وأين تنتهي؟
معروف على إنه في كل عصر هناك أفكار سائدة تحرسها مؤسسات شرسة، تجدها مُلِئَتْ حَرَسًا قدِيماً شَدِيدًا؛ من محامين بارعين في المرافعة؛ وعُرابين كثر ومؤيدين ومطبلين؛ ووسائل إعلام وصناع الرأي العام… وغيرهم؛ مع أن الواقع الذي أنشأته وأنتجته؛ يعتبر فاشلًا وبائسًا بكل معايير الحداثة والحضارة والتقدم والديمقراطية والكرامة الوجودية للإنسان؛ بل يتعارض ويتنافى مع مقتضيات تقدم الأمم والشعوب..!
فهذه الفئات تشتكي وتتبرأ من الواقع الذي وضعته وأنشأته وخلفته من ورائها؛ وفي نفس الوقت؛ هي من يحافظ عليه ويغذيه ويكرسه ويستبقي على أسس تخلفه.
والخلاصة:
كثيرة هي الأفكار والنماذج والمناهج والمقاربات؛ التي لا تكون وليدة اكتناف وتراعي خصوصيات بيئتها؛ تبقى غريبة، وتعيش حالة اغتراب واستلاب إلى أن تختفي وتدفن بدون شهادة ميلاد ولا شهادة وفاة؛ في مقبرة بشاهد مجهول بلا عنوان.
____
*الكاتب والمفكر والمحلل والراصد الاجتماعي المغربي المغربي





