بقلم.. الدكتور حسن مرهج
خبير الشؤون السورية والشرق الأوسط ومدير شبكة فينيقيا للأبحاث والدراسات الإستراتيجية.
من منظور استراتيجي، لا يمكن لأي متابع لتطورات الشرق الأوسط، أن ينكر أهمية زيارة وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، إلى الرياض، ولقاء نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خاصة أن تلك الزيارة أنهت قطيعة استمرت لنحو عقد من الزمن، وعليه، فإن تلك الزيارة وما تحتويه من أبعاد، فإنها تأتي في سياق تعزيز العلاقات بين البلدين، والإرتقاء بها لمستويات استراتيجية، تتناسب وحجم التطورات في المنطقة، والتي تستوجب حُكماً إشاعة مناخ الإستقرار والأمن.
توقيت الزيارة أيضاً جاء في إطار إستراتيجي، لا سيما أن تلك الزيارة تزامنت مع إعلان اتفاق يقضي بتبادل السجناء والأموال الإيرانية المُجمدة، بين واشنطن وطهران، والأهم في ذات السياق، هو القرار السعودي بتعيين عبدالله سعود العنزي، سفيراً للمملكة السعودية في طهران، الأمر الذي يؤكد التزام الرياض بتعزيز إعادة العلاقات مع طهران، بل ودفعها إلى مستويات استراتيجية، وتذليل كل العقبات التي من شأنها التأثير على مسار العلاقات السعودية الإيرانية.
زيارة عبداللهيان إلى الرياض، تُمثل نقطة تحول، إذ من المتوقع أن تُشكل هذه الزيادة، معادلة جديدة نحو الارتقاء بمستوى العلاقات السعودية الإيرانية، وهي تحمل بذات التوقيت، ترجمة حقيقية لإعادة العلاقات بين البلدين،بل وتفتح الطريق أمام طرح مشروع تشكيل “مجلس الحوار والتعاون” الإقليمي ويضم في عضويته دول مجلس التعاون الخليجي وكلاً من إيران والعراق (6+2)، وهي الرؤية التي وضعت على طاولة المنطقة مع زيارة بن فرحان إلى طهران والجولة التي قام بها عبداللهيان لأربع عواصم خليجية وهي أبو ظبي والكويت ومسقط والدوحة، وسبقتها الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعها أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني قبل إقالته من منصبه مع الإمارات والعراق بعد عودته من بكين والتوقيع على الاتفاق مع السعودية.
واقع الحال يؤكد، بأن السعودية وإيران، كلاهما بحاجة بعضهما البعض إقليمياً ودولياً، كما أن وبحسب معلومات مؤكدة، فإن إعادة العلاقات بين البلدين، لن تتوقف على الجوانب السياسية أو الاقتصادية فحسب، بل ثمة معطيات تؤكد بأن البلدين يسعيان إلى بلورة ما يمكن تسميته بـ معادلة القوة الإقليمية،من خلال نسج اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية، وإمكانية تشكيل قوة عسكرية مشتركة، تتولى مهام حفظ الأمن في مياه الخليج، تمهيداً لانهاء سيطرة الولايات المتحدة على تلك المنطقة الاستراتيجية.
دون شك، فإن فإن عودة العلاقات السعودية الإيرانية، وارتقاءها لمستويات إستراتيجية، سيكون له منعكسات غاية في الأهمية، تطال ملفات اليمن وسوريا وكذلك لبنان، لكن في المقابل، يبدو واضحاً أن إيران وما تملكه من ثقل إستراتيجي، في ملفات ذات حساسية إقليمية، يمكنها من تعزيز حضورها في النظام الإقليمي الجديد، والأهم أن إيران وما تملكه من مقومات على المستويات كافة، فإن هذا الأمر يُتيح لها اللعب في هوامش محظورة على العديد من القوى الإقليمية، وبذلك فإن السعودية قد دخلت إلى معادلة إيران الإقليمية، الرامية إلى إرساء قواعد الإستقرار، والحد من التدخلات الأمريكية في المنطقة.
الرياض وطهران تُنهيان سنوات القطيعة بينهما، ولا ننكر أن للبلدين مصالح مشتركة تجمعهما، كما أن القواسم بينهما كثيرة، وتحديداً في مسائل الاقتصاد أولاً، والحد من هواجس الخليج تُجاه البرنامج النووي الإيراني. كل ذلك يضعنا أمام متغيرات إقليمية جديدة، وبالقطع، فإن ما قبل زيارة عبداللهيان إلى السعودية، لن تكون كما بعدها حُكماً، وثمة ما يُثلج الصدور، وسنراه قريباً في ملفات سورية واليمن ولبنان، إنطلاقاً من عودة العلاقات الإيرانية السعودية، وتعزيزها بمقومات استراتيجية.





