العنقود الكروي “مسييه 2”.. لؤلؤة كونية عتيقة في قلب “الدلو”

إيطاليا تلغراف متابعة

في القرن الثامن عشر، كان عالم الفلك الفرنسي “شارل مسييه” يمسح السماء بحثا عن المذنبات، لكنه كان يصطدم باستمرار بأجسام ثابتة وضبابية تشبهها في المظهر وتختلف عنها في الطبيعة. ولتجنب هذا اللبس، صنف “مسييه” هذه الأجسام في فهرس شهير عُرف باسم “فهرس مسييه” (Messier Catalog).

ولم يكن الجرم الثاني في هذه القائمة، والمعروف باسم “مسييه-2” أو (M2) مجرد “سديم” كما اعتقد “مسييه” وزميله “مارالدي” أول مرة، بل كان عنقودا نجميا كرويا (Globular Cluster) هائلا يقع في كوكبة الدلو.

قلعة النجوم.. كثافة مذهلة وعمر سحيق

يوصف “مسييه-2” بأنه أحد أضخم العناقيد التي تجوب هالة مجرتنا، درب التبانة، بقطر يبلغ حوالي 175 سنة ضوئية، ويحتضن هذا العنقود زهاء 150 ألف نجم، ترتبط معا بقوة الجاذبية.

المثير للدهشة هو عمر هذا الكيان، حيث يقدر بنحو 13 مليار سنة، مما يجعله شاهدا عتيقا على بدايات الكون. وبسبب تقارب نجومه الشديد، صُنّف ضمن الفئة الثانية (Class II) من حيث الكثافة، حيث تتركز كتلته في قلب مدمج يبلغ قطره 3.7 سنة ضوئية فقط.

العناقيد المغلقة.. “الأحافير الكونية”

تعد العناقيد الكروية مثل “مسييه-2” بمثابة “سكان المجرة الأصليين”، فقد نشأت مبكرا عندما كانت مجرتنا مجرد سحابة غازية عملاقة في طور الانهيار، وتشكلت هذه العناقيد أولا في “الهالة” المحيطة بالمركز.

لاحقا تكون قرص المجرة (حيث تقع شمسنا) وتشكل في مراحل لاحقة وبشكل تدريجي. لذا، نجد أن نجوم الهالة، ومنها مسييه-2، أقدم بكثير من نجوم القرص.

ورغم أن المكتشفين الأوائل رأوه ككرة ضبابية، إلا أن التطور التقني، بدءا من تلسكوب “ويليام هيرشل” عام 1783 وصولا إلى تلسكوب “هابل” الفضائي، كشف النقاب عن تفاصيل مذهلة. فقد استطاع “هابل” فصل النجوم الفردية في المركز، كاشفا عن عمالقة حمراء وصفراء.

وقد وصفه الفلكي “جون هيرشل” وصفا دقيقا حين قال: “إنه يشبه كومة من الرمل الناعم”، في إشارة إلى آلاف النقاط المضيئة المتكدسة فيه.

آثار التمزق والجذب المجري

لا يعيش العنقود “مسييه-2” في عزلة تامة، فقد كشفت الأبحاث الحديثة عن وجود تيار من الحطام النجمي مرتبط به، وهو علامة مسجلة لما يعرف بالتمزق المدّي. وهذا يعني أن قوى الجاذبية لمجرتنا درب التبانة قد سحبت بعض نجومه بمرور الوقت.

ويبعد هذا العنقود عن نظامنا الشمسي حوالي 33 ألف سنة ضوئية، ومع ذلك، يمتد تأثيره الجاذبي إلى 233 سنة ضوئية، وهي الحدود التي تمنع نجومه من الهروب إلى الفضاء السحيق.

كيف تشاهد “مسييه-2” في سمائك؟

للهواة الراغبين في رصد هذا الجرم، يقع “مسييه-2” على بعد 5 درجات شمال نجم “سعد الملك” (في الصورة)، ويمكن رؤيته بواسطة المناظير مزدوجة العينية حتى في المناطق التي تعاني من تلوث ضوئي، إذ يلمع بالقدر 6.5 على شكل كرة قطنية غامضة، أما التلسكوبات المتوسطة فستبدأ في إظهار النجوم الفردية عند الحواف، ليتحول المشهد في التلسكوبات الكبيرة إلى مهرجان من الحبيبات المتلألئة التي تحكي تاريخ الكون.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...