الجغرافيا السياسية للاتصال: مبادرة الحزام والطريق وإيميك في عصر التنافس بين الولايات المتحدة والصين

 

 

 

 

ذ.ألطاف موتي
باحث سياسي واقتصادي، ومستشار الهيئات التجارية الحكومية وغير الحكومية، ورئيس شبكة التعليم في باكستان.

 

 

إن مبادرة الحزام والطريق (BRI) والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) هما رؤيتان متنافستان للتنمية العالمية تعكسان المشهد الجيوسياسي المتغير في القرن الحادي والعشرين. ولكل منهما تأثيراته وانعكاساته على العلاقات السياسية والاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، أكبر اقتصادين وقوتين عظميين في العالم. ومبادرة الحزام والطريق هي استراتيجية تنمية عالمية أطلقتها الصين في عام 2013، وتهدف إلى ربط آسيا وإفريقيا وأوروبا وخارجها من خلال شبكة من مشاريع البنية التحتية والاتفاقيات التجارية والتبادلات الثقافية. لقد كان يُنظر إليها على أنها وسيلة للصين لتوسيع نفوذها ومصالحها الاقتصادية في العالم، خاصة في المناطق التي كانت الولايات المتحدة مهيمنة فيها تقليديًا. ومع ذلك، واجهت مبادرة الحزام والطريق أيضا انتقادات ومعارضة من بعض الدول والمناطق التي تعتبرها تهديدا لسيادتها وأمنها ومعاييرها البيئية.

تعد إيميك (IMEC) مبادرة بديلة لمبادرة الحزام والطريق التي تم إطلاقها في سبتمبر 2023 من قبل الهند والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيطاليا وفرنسا وألمانيا. ويعد ممر إيميك (IMEC) مبادرة بديلة لمبادرة الحزام والطريق التي تم إطلاقها في سبتمبر 2023 من قبل الهند والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيطاليا وفرنسا وألمانيا. ويهدف ممر إيميك (IMEC) إلى تعزيز التنمية الاقتصادية من خلال تعزيز الاتصال والتكامل الاقتصادي بين آسيا والخليج العربي وأوروبا. وهو يتألف من ممر شرقي يربط الهند بمنطقة الخليج وممر شمالي يربط منطقة الخليج بأوروبا. وستشمل شبكة عبور للسكك الحديدية والسفن وطرق النقل البري.

ومن المتوقع أن يكون لإيميك (IMEC) آثار كبيرة على الديناميكيات السياسية والاقتصادية في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. ويمكن أن تخلق فرصا جديدة للنمو والتنمية والاستقرار في هذه المناطق. كما يمكن أن يشكل تحديًا لهيمنة الصين ونفوذها في هذه المناطق.

ويمكن أن يؤدي إيميك إلى زيادة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الأسواق والموارد والنفوذ في هذه المناطق. ويمكن للولايات المتحدة استخدام إيميك كمنصة لعرض دورها القيادي والتزامها تجاه حلفائها وشركائها. ووفقا لصحيفة الحقائق الصادرة عن البيت الأبيض، فإن الولايات المتحدة تدعم إيميك كوسيلة لتعزيز معايير عالية الجودة للحوكمة والمسؤولية الاجتماعية وحماية البيئة في التنمية العالمية. وترى الولايات المتحدة أيضًا أن ممر إيميك هو وسيلة لتعزيز فرصها التجارية والاستثمارية، ومعالجة التحديات المشتركة مثل تغير المناخ والإرهاب والأوبئة، وتعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع الهند وأوروبا والدول العربية. كما توقع الرئيس الأمريكي جو بايدن أن ممر إيميك “صفقة كبيرة” و “استثمار يغير قواعد اللعبة” للولايات المتحدة.

ويمكن أن يخلق ممر إيميك فرصا للتعاون بين الولايات المتحدة والصين في المجالات ذات الاهتمام المشترك في هذه المناطق. ويمكنهما أيضًا إيجاد طرق لتنسيق أو مواءمة مبادراتها الإنمائية لتجنب الازدواجية أو الصراع. ويمكن أن تؤثر إيميك أيضًا على تصورات ومواقف كلا الجانبين تجاه بعضهما البعض. ويمكن للولايات المتحدة أن ترى الصين كشريك بناء أو تعاوني أكثر إذا احترمت مبادئ ومعايير إيميك أو انضمت إلى بعض مشاريعها. ويمكن للصين أن ترى الولايات المتحدة كشريك أكثر احترامًا وجدارة بالثقة إذا اعترفت بمصالح الصين المشروعة أو انخرطت في حوار معها.

ویمكن للصين أن تنظر إلى إيميك باعتبارها محاولة لاحتواء صعودها أو تقويض مصالحها. ووفقا لبعض المحللين ، فإن الصين متشككة في إيميك وترى أنها مبادرة منافسة أو معادية تهدف إلى عزل الصين عن جيرانها وأسواقها. وتعتقد الصين أن إيميك ليس مجرد مبادرة اقتصادية، بل هو أيضًا مبادرة سياسية واستراتيجية تعكس نظام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد صعود الصين. وتشعر الصين بالقلق من أن إيميك يمكن أن يقوض مصالحها ونفوذها في المناطق التي استثمرت فيها بكثافة في بناء البنية التحتية والتجارة والعلاقات الثقافية. كما تشعر الصين بالقلق من أن إيميك يمكن أن يخلق انقسامات وصراعات بين دول آسيا والشرق الأوسط وأوروبا من خلال فرض معايير وشروط أعلى للتعاون.

وكانت الولايات المتحدة حذرة من نفوذ الصين المتزايد وطموحاتها من خلال مبادرة الحزام والطريق. واتهمت الولايات المتحدة الصين بالانخراط في ممارسات الإقراض المفترسة، وتقويض المعايير والقيم الدولية، والسعي إلى تحقيق مزايا استراتيجية على حساب شركائها. كما سعت الولايات المتحدة إلى مواجهة نفوذ الصين من خلال تعزيز تحالفاتها وشراكاتها، وتعزيز رؤيتها الخاصة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، وفرض التعريفات الجمركية والعقوبات على السلع والكيانات الصينية.

وتعتقد الولايات المتحدة أن مبادرة الحزام والطريق ليست مبادرة اقتصادية فحسب، بل هي أيضا مبادرة سياسية واستراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي لصالح الصين. وتشعر الولايات المتحدة بالقلق من أن مبادرة الحزام والطريق قد تمكن الصين من الوصول إلى الموارد الحيوية والأسواق والتقنيات والقواعد العسكرية في المواقع الاستراتيجية، مع تقويض سيادة وأمن ومعايير شركائها. كما تخشى الولايات المتحدة أن تؤدي مبادرة الحزام والطريق إلى تآكل نفوذها ومصداقيتها في المناطق التي استثمرت فيها بكثافة.

ومع تطور هاتين المبادرتين وتفاعلهما مع بعضهما البعض في السنوات المقبلة، فإنهما ستشكلان مستقبل هاتين المنطقتين وهذه العلاقات. وسوف تعتمد النتيجة إلى حد كبير على كيفية إدارة الجانبين لخلافاتهما وتوقعاتهما، وما إذا كان بوسعهما إيجاد التوازن بين المنافسة والتعاون. وإن مبادرة الحزام والطريق و إيميك ليسا مجرد مشروعين اقتصاديين ، بل هما أيضا مشروعان سياسيان واستراتيجيان يعكسان تطلعات وقيم شركائهما. لذلك فإنهما لا يتطلبان الاستثمار والبنية الأساسية فحسب، بل يتطلبان أيضاً الحوار والثقة. لا تمثل مبادرة الحزام والطريق وإيميك تحديات فحسب، بل تمثل أيضًا فرصًا لخلق عالم أكثر ترابطًا وازدهارًا واستقرارًا. لذلك، فإنهما لا يستحقان التدقيق فحسب، بل يستحقان أيضًا المشاركة من جميع أصحاب المصلحة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...