طوفان الأقصى والسنن الكونية

 

 

 

 

د.عماد الكواني
دكتوراه في السياسة الشرعية
أربيل كوردستان العراق

 

 

 

إن الحياة عبارة عن مجموعة من القواعد والقوانين المترابطة المتشابكة تحتاج إلى الحنكة والدقة والتمرن والجهد لحلحلتها، وبناء غد مشرق وحضارة مطرزة بأمال واقعية عليها، وإبداعات نوعية وإضافات مؤثرة في درب الحياة بواسطتها، وهي بعيدة كل البعد عن الأمنيات والخيالات البراقة.

ومن أهم قوانينها التي نحتاج لبلورتها والتفكر فيها ومعرفة زواياها المختلفة قانون الصراع بين الحق والباطل: وهو أزلي وسنة من السنن الكونية ويستمر إلى آخر الزمان، وهناك سنن عدة تتحكم لحسم هذا الصراع بالنصر والتمكين لطرف على حساب الطرف الآخر، مثل التخطيط والعمل الدؤوب والتضحية والاستمرار والالتزام بقوانين الحياة والوحدة ووضوح الرؤية المستقبلية وواقعيتها .وهذه قاعدة ثابتة لاتتغير لأحد في الجملة، والنتيجة المترتبة عليها هي: كل من عمل وفق هذه السنن يحصد ثمرة جهده ويعيش معززا مكرما، وكل من أهمل هذه السنن قل ما يحصل على آماله وأمنياته، ونصيبه الذل والتبعية والتهميش .

إن معركة طوفان الأقصى بأثارها المترتبة الآنية والمستقبلية لخير دليل على ذلك، فكل متابع للقضية الفلسطينية منذ قرن من الزمن يحس بلا أدنى شك أن الصراع الدائر بين كلا الطرفين ليس صراعا متكافأ من البداية إلى الآن ولأدواره المختلفة يعد ورشة عملية لمعرفة أهمية الأخذ بالسنن الكونية والقواعد والقوانين المتبعة في الحياة.
في البداية كانت اليهود أقلية مستضعفة في الأرض ولكن حينما حددوا لأنفسهم الأهداف وعملوا لأجل تحقيقها ليلا ونهارا وقدموا لأجل ذلك بما لديهم جيلا بعد جيل، اغتصبوا أرض فلسطين بناء على مزاعم تلمودية وعقائد مزيفة، وواجهوا قوى عربية متكاثرة ولكنها مشتتة داخليا لأن حصونهم الداخلية مشروخة ولديها الضباب في الرؤية والأهداف، علاوة على ذلك عملت هذه القوى على وتر غير متناسق مع سنن الكونية وهي: الشرعية الناقصة لحكام المنطقة و التبعية وعدم الأصالة، و التخلى عن السبب الحقيقي للوحدة وهو الإسلام، والجمع على أمر تعد من الأسباب الرئيسية للفرقة و التنازع (القومية المقية)وهذه النزعة سبب رئيسي لفرقة أجدادهم في الماضي وقد خلد لهم القران ذلك { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران:103. وفي النتيجة كان نصيبهم الفشل والتبعية والمذلة رغم كثرتهم وامكانياتهم البشرية والمادية وجغرافيتهم الحساسة، وأخذت منهم الريادة والسيادة والقيادة شرذمة متهالكة وأصحاب الحيل والدجل؛ لاشتغالهم وفق السنن الكونية من الإيمان الراسخ بعقيدة معينة وأهداف واضحة والعمل المستمر دون الملل، والتخطيط والتنفيذ دون الانقطاع، ويقولون بأن جماعة من اليهود بعد النكبة المشهورة للجيوش العربية رأوا جدارا كتب عليه (وحدة حرية اشتراكية) وكتبوا تحته قول الله تعالى { ….كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة:249 ومنذ حوالى قرن من الزمن استسلم المتحكمون في قرارات الشعوب في المنطقة لأمر الواقع ورضوا بما فرض عليهم من الإملاءات، وعمل اليهود عبر وسائلهم المتاحة ترسيخ حقيقة مزيفة بأنهم قوة لاتقهر وأن لديهم مؤسسات تتحكم في جميع أنحاء العالم وليس في المنطقة لوحدها. ولكن طوفان الأقصى جردتهم عن ملابسهم الكاذبة وأسقطت القناع عن حجمهم الحقيقي وأثبتوا أنهم نمر على الورق.

مجموعة صغيرة في بقعة محاصرة من جميع أطرافها ومراقبة بجميع الأجهزة المتطورة في الجو والبر والبحر حسب العلوم العسكرية من المستحيل أن تنفذ عملية كطوفان الأقصى بأبعادها السياسية والعسكرية والاستخباراتية؛ ولكن لأنها تسير وفق سنن الكونية ولديها عقيدة دافعة وإيمان راسخ ورؤية واضحة ولديها العمل والتخطيط والتنفيذ وروح التضحية من أجل المبادئ أذلوا عدوهم وزرعوا الرعب في قلوبهم وهدموا الصورة الوهمية في مخيلة الأجيال الماضية وهاهم يكتبون على جدران التاريخ هذه المرة { ….كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة:249. وينشدون مع أبا القاسم الشابي :

إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ
فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ
ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي
ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ

مافعلنه هذه المجموعة سيكون مادة درس على طاولة الأجيال القادمة، ولسان حالها يقول ماقاله سيدنا عمر بن الخطاب :نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله”

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...