لماذا نمُنع من الخروج في مسيرات تضامن مع غزة في الجزائر؟

 

 

 

ذ.ناصر جابي
كاتب جزائري

 

 

 

احتفل الجزائريون هذا الأسبوع بالذكرى التاسعة والستين لذكرى اندلاع ثورة نوفمبر، في جو طغى عليه ما يحصل من عدوان إسرائيلي على غزة. ميزته الأساسية تقلص جو الحريات في بلدهم، وصل إلى حد لم يُسمح فيه للجزائريين بالتعبير الحر عن تضامنهم مع إخوانهم في فلسطين في الشارع، عبر مسيرات مرخصة، باستثناء مرة واحدة. كما فعل الكثير من شعوب العالم في أمريكا وأوروبا وبعض الدول العربية، التي لم يمنعها حكامها من التعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض إلى حرب إبادة منذ حوالي الشهر.
الموقف الرسمي الرافض للمسيرات التضامنية مع غزة في الجزائر، الذي يجب فهمه في إطار سياق أوسع يمر به البلد، منذ توقف مسيرات الحراك، المتسم بالخوف الرسمي من أي تحرك شعبي، يمكن أن يحيد عن إطاره المعلن، في اتجاه مواقف نقدية للأوضاع السياسية القائمة، في بلد ما زال الشارع فيه من دون تأطير سياسي وحزبي، يمكن أن يتحول بسرعة إلى تبني مواقف نقدية للأوضاع السياسية القائمة، كما حصل في أكثر من محطة تاريخية قريبة، وهو ما يفسر قرار منع البطولة الوطنية لكرة القدم، الذي اتخذته هذا الشهر السلطات لفترة قصيرة، لتعود وتسمح بها من دون جمهور! في بلد تحولت فيه ملاعب كرة القدم أسبوعيا إلى أكبر تجمع للمعارضة الشعبية، لكل ما هو رسمي، رجالا ومؤسسات وخطابا.
في وقت هدأت فيه المساجد ولم تعد ذلك المحرك الذي عرفته الجزائر خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، بعد تمكن بيروقراطية الشؤون الدينية من فرض سيطرتها عليها، وإبعاد كل التيارات المعارضة عن الفضاء الديني، الذي فقد الكثير من حيويته المعروف بها في العقود السابقة، نتيجة الهزيمة التي منيت بها الحركات الإسلامية الجذرية التي كانت تسيطر على الفضاء الديني في الجزائر، بما فيها مؤسسة المسجد.

يحصل هذا المنع في الجزائر، في وقت ما زالت شعوب كثيرة تخرج للتعبير عن تضامنها مع هذه القضية العادلة، فقد خرجت الشعوب في عواصم الدول المؤيدة للعدوان على غزة، كما هو حاصل في دول أوروبا الغربية وأمريكا التي عادت فيها الحيوية إلى الشارع بقوة، تشبه ما كان حاضرا أثناء حرب فيتنام، التي كانت وراءها حركات اجتماعية فعالة، يقودها طلبة الجامعات والفئات الوسطى الحضرية المتعلمة، استمرت حاضرة لغاية السبعينيات لكي تتوسع وتأخذ مناحي ثقافية وفنية أثرت في أجيال كاملة، على أكثر من صعيد. كما خرجت الشعوب في دول التطبيع العربي، كما حصل في الكثير من المدن المغربية، التي عبرت عن ابتعادها عن الموقف الرسمي المطبع. الشيء نفسه وأكثر ربما الذي حصل في الأردن الذي يمكن أن يأخذ فيه الحراك المعادي للعدوان الإسرائيلي أبعادا أخطر، نتيجة حساسية مكانة الأردن كدولة ومجتمع، بكل السيناريوهات السياسية التي يمكن أن تتطور نحوها الأمور، من دون أن يحصل التأثير المطلوب في الموقف الرسمي، بقطع العلاقات مع إسرائيل التي تطالب به الشعوب في هذه البلدان. ليبقى الموقف الشعبي العربي في الدول الأخرى متفاوتا وأقل بكثير مما هو مطلوب حتى يكون في مستوى لحظة «طوفان الأقصى» النوعية التي قامت بها المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر الماضي، ومستمرة لغاية اليوم. حتى في الدول التي لم تمنع حكوماتها المواطنين من التعبير عن تضامنهم في الشارع، كما كان الحال في الدوحة والعراق وتونس التي استعادت الساحة السياسية فيها وحدتها، ليبقى غياب المواطن هو سيد الموقف كما هو حاصل في دول الخليج ومصر، التي تمنع فيها أنظمتها السياسية كل حركة جماهيرية في الشارع للتضامن مع الشعب الفلسطيني وهو يتعرض إلى مجزرة حقيقية.. لنكون امام أشكال تعبير شعبية قوية في الدول الغربية شارك فيها بقوة المهاجرون من الدول العربية والإسلامية هذه المرة، كما يحصل بشكل منتظم في باريس ولندن ومدريد وواشنطن، وغيرها من العواصم الغربية التي يتمتع فيها المقيم والمواطن بحرية التعبير عن الرأي، تسمح له بالتضامن مع الشعب الفلسطيني، رغم كل العراقيل التي وضعتها النخب الرسمية المؤيدة للعدوان على هذه الحركات الشعبية القوية، التي يمكن أن تكون أكثر قوة في المستقبل، إذا ما عرفنا كيف نلتقي معها حول قضايانا التي تأتي على رأسها القضية الفلسطينية التي تملك الكثير من المساندين بين أبناء هذه الشعوب حتى بعد الضعف الذي اعترى قوى اليسار والتيارات المؤيدة للعالم الثالث داخل هذه المجتمعات، منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبروز قوى اليمين المحافظ، كما عبرت عنها الثاتشيرية والريغانية في حينها.

تأييد القضية الفلسطينية نجده أكثر حضورا في بعض دول أمريكا اللاتينية، ولا يفسر فقط بحضور المهاجرين من أصل عربي وفلسطيني في هذه الدول، كما هو حال تشيلي التي سحبت سفيرها من إسرائيل، بل بمواقف متقدمة تقليدية لدى هذه الشعوب القريبة سياسيا من قضايا التحرر في العالم، عبّر عنها أبناء هذه الدول على الدوام. تم تجسيدها هذه المرة بقطع العلاقات مع إسرائيل كما فعلت بوليفيا. وسحب السفراء في تشيلي وكولومبيا، وهي القرارات التي تجد حكومات عربية صعوبات في اتخاذ ما يشبهها لحد الآن رغم ضغط الشارع.. الشارع الذي ما زال بعيد المنال عن الجزائريين كمكان للتعبير عن مواقفهم السياسية والإنسانية حتى وهم يشاهدون يوميا كيف يتم ذبح الشعب الفلسطيني في غزة على المباشر، نتيجة ضعفهم على تنظيم أنفسهم بشكل مستقل للدفاع عن قضاياهم الوطنية والدولية، بما فيها القضية الفلسطينية، وضع كرّسه النظام السياسي وتبناه بقوة الإعلام الرسمي والنخب السياسية التي تدعمه وتقف وراءه، لدفع الجزائريين، للاكتفاء بالموقف الرسمي الجزائري المؤيد للقضية الفلسطينية، الذي يمكن أن تدعمه هذه المسيرات الشعبية وتعطيه شرعية أكبر على المستوى الدولي، كجزء من الرأي العام الدولي المؤيد للقضية الفلسطينية، كما أنه موقف يتناسى دور التعبير الحر للمواطنين وحريتهم في تبني القضايا العادلة كجزء من ممارسة مواطنية شاملة، لا فصل فيها بين القضايا الوطنية والدولية، لأن الإنسان الحر في بلده هو وحده الذي يمكن أن يتضامن ويدافع عن حريات الآخرين.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...