حِلف الفضول غير المُعلن من: الأُوْلُواْ بَقِيَّةٍ الذين يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ ويأمرون بالقسط من الناس..

 

 

 

 

 

 الدكتور جاسم سلطان

 

 

 

هم خلق كثير نزاع أقوام؛ لا يجمعهم عرق، ولا دين، ولا وطن، ولا لغة، ولكن يجمعهم ضمير مرهف تجاه الحق.
الذين يأمرون بالقسط من الناس؛ نراهم اليوم بالملايين في مختلف بقاع العالم، يطالبون بإنصاف الإنسان في فلسطين، ويرفعون رايات فلسطين، ويتحدون الإعلام الزائف، والسياسين المنحرفين.
برغم كل ما يقال عن مادية إنسان العصر؛ لكن ما نشاهده في ساحات العالم؛ شئ يفوق الوصف..! ملايين لا تجمعهم بنا عصبية عرقية، أو دينية؛ لكنهم يضحون من أجل الحق والحقيقة.
وهي ليست موجات عفوية؛ إنما تتسم بالتنظيم والقدرة على الضغط على مفاصل المجتمع، والسياسة، وينخرط في نشاطها فنانون، وأدباء ومسرحيون، وأساتذة، وطلاب مدارس، وربات بيوت… كأنها الجنين لموجة جديدة من عودة الإنسان المتسامي الذي يعانق فطرته ويطالب بإصلاح البوصلة، ويقف سداً أمام انهيار أعلى قيم الإنسانية وهي العدل.
هو حلف كوني يقوم على نصرة قضايا العدل في وجه آلة التضليل والبرمجة الشيطانية.
لو كان لنا جيش من الباحثين الاجتماعيين يغوص في عمق الظاهرة، ويجمع خيوطها، ويرسم لنا خطوط التماس معها؛ لعلنا نشارك أولئك البشر في إقامة حِلف الفضول الذي لا يترك مظلوماً إلا نصره.

التجرد للحق؛ ليس مهمة يسيرة. والذين يأمرون بالقسط من الناس؛ عُملة ليست نادرة؛ لكنها قليلة. وهم يشكلون صفوة الضمير الإنساني.
المتجردون للحق؛ هم حِلف الفضول غير المُعلن؛ (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ.)
فإن كان الغرض الأسمى لإنزال الكتب السماوية هو: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.)؛ فهم التمثيل الأسمى لتلك المهمة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.)
المتطرفون من كل دين، ومِلة لا يتمتعون بذلك الحس الأخلاقي. هم قوم لا يعنيهم العدل؛ بل يُشحنون بالعواطف؛ فتميل بهم حيث تم تلقينهم في محاضن التنشئة. فلا غرابة أن يرى الحق باطلًا، والباطل حقًا.

والمظلومون في الأرض ليسوا محصنين من داء التطرف ذاته؛ فقد يحملونه معهم عبر أجيال، وتساهم المظلومية في تفاقمه وظهوره كما نشاهد اليوم على مرأى ومشهد من العالم.
والمبدئيون في الأرض ليسوا محصنين من داء التطرف، حتى من الذين رفعوا شعار العدل يومًا كما في اليسار والشيوعية أو ثوار فرنسا. فباسم العدل ربما يتم اغتيال العدل.
لذلك فصنف؛ (الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ.) بحق ليسوا أكثرية؛ لكن لولا وجودهم لم يكن للإنسانية من معنى.
شرط وجود تلك الفئة، حساسية الضمير، وقدرة على سبر الدوافع، وقدرة على الوقوف في وجه التيار، والإشارة للظلم، بغض النظر عن الإتفاق والاختلاف مع دين ومذهب وطائفة ذلك المظلوم.
 والخلاصة:
إن اللحظة تكشف عن أكبر مشاريع الإنسان عمقاً لإعمار الوجود، وهو حِلف الذين يأمرون بالقسط من الناس؛ وياله من حلم إذا تجسد.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...