قلبٌ كلّه دموع! قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم تالا زيد العتوم

 

 

لست أدري أين يستلقي جسدي المتألم في هذه اللحظة, ولا أستطيع رفع الستائر الثقيلة عن عيوني, أردتُ سؤال نفسي إن خطفتني أذرع الموت لكنّ بضعة أصوات حولي منعني سماعها من السؤال, ربما كنت أختبيء كعادتي تحت سرير شقيقتي لإخافتها, لكنني أنا الخائف هذه المرّة, ثم إنني لا أشعر بقرب شقيقتي مني, أو ربما كنت التحف غطاء نومي كعادتي في الليل طمعاً في الدفء والراحة, لكنني الآن أشعر بالبرد والانكشاف والوحشة, ثم أين حضن أبي ويده اليمنى وهي تشدّ ظهري ليقرّبني إلى قلبه الجميل؟, وأين صوت أمي يحثّني على تبديل ملابسي وضرورة الإسراع قبل أن يبرد طعام الغداء, ما أسمعه الآن ليس كأصوات الملاعق وهي ترتطم بالأطباق وأنا أمازح شقيقتي في كل يوم, لا بدّ وأنني في مكانٍ آخر لا أملك حق معرفته, أنا خائفة يا أمي أرجوكِ أن لا تتركيني وحدي, أرجوكِ أن لا تتأخري, أنا ضعيفة وتائهة بغيابك عنّي, لكن لا تقلقي سأبقى أنتظرك, أرجوكِ يا أمي أن تعثري عليّ!
أبحر بقاربي الصغير في بحر ذاكرتي, وفي غرفتي ذات النافذة الصغيرة والمطلة على شارعٍ ضيّقٍ في مخيم الشاطىء في قطاع غزة, كانت عقارب الساعة تلامس الليل وهي بطيئة ومتثائبة, أجلس أنا بنت الرابعة عشرة على سريري وبقربي شقيقتي ذات الأعوام الخمسة, كنت أُلصق لها بعض الورود المجففة على صفحات دفترها الصغير, كانت نظراتها إليّ تنطق بالمحبة والعرفان والبراءة, أخبرتها بضرورة الذهاب للنوم حتى لا نُغضب والدتي فرَجتني اكمال ما بدأت به, لم أملك حينها غير الاستسلام لطلبها ومجاراتها, ابتسمتُ لها عندما أخبرتني إنها تحبني كثيراً, وفجأة شعرت بقدوم الجحيم إلينا دفعة واحدة, تبدّلت الأقدار وانطفأت الأنوار, انقلب السرير من تحتنا بمنتهى القسوة والجنون, أخَذت صرخات شقيقتي تتعالى وهي تطلب مني اغاثتها بينما أنا مكبّلة من هول ما يجري, سمعتُ صوت تكسّر زجاج نافذتي وتحطّم حوافها الخشبية, ثم توالت رشقات النار وضربات الهواء تملآن غرفتي بلا رحمة, وما هي الا لحظات حتى سقط شيء كبير ومخيف من الأعلى الى الأسفل وقد لامس قدمي اليسرى فآلمها, حاولت إزاحة التراب عن وجهي لكنّ استمرار اندفاعه أشعرني بعبثية ما أفعل, لامست يدي اليمنى يد شقيقتي صدفةً فحاولتُ سحبها نحوي واحتضانها, كنت أسمع صوت فمها وهو يحاول جاهداً التقاط أنفاسه بسرعة تتباطأ شيئاً فشيئاً, شعرتُ بيديها المرتجفتين تتشبثان بجسدي الواهن, حاولتُ الصراخ لكنّ التيبّس والشلل قد قتلا ما تبقى من حروفي الضعيفة, لم يكن لدموعي وقتها وزن أو قيمة تذكر, فكيف تصمد تلك القطرات أمام بحرٍ هائج ونهرٍ مندفع!, احتضنتها بقوة مرّة أخرى لأتلمّس عندها أيّ ومضة للحياة, وضعتُ خدّي قرب خدّها ثم حاولت التقرّب من أذنها لوشوشتها ولو بزفيري المعفّر, تمنيتُ قبساً من النور يشقّ ظلمتي وظلمتها فأرى وجهها الحبيب, تمسّكتُ بها أكثر وأكثر, وأقسمتُ أن أصارع الدنيا إن حاولت أخذها بعيداً عني, حاولتُ تقبيلها لكنّ شفتاي المتحجّرتان لم تتمكنا سوى من ملامسة خصل متباعدة من شعرها الناعم المبعثر.

أخذ جسدي يرتجف بقوة تكاد تكسّر عظامي, صرخت بصوتٍ مرتجفٍ كما لو كانت سكرات الموت تطبق على أنفاسي, وفجأة فتحت عينيّ وأنا فزعة أتوسل من قلبي قليل من الضوء, رأيت رجلاً يرتدي رداءً أبيضًا ويضع على عينيه نظارة عريضة, كان يتفحّص وجهي ويحدّق بعينيّ الذابلتين, أخذ يحاول تهدئتي بوضع يديه حول رأسي, أدرت وجهي قليلاً فرأيت خالتي ترتدي ثوباً أسودًا وشالاً أكثر سوادًا يغطي رأسها, رأيت بعينيها ابتسامة تغرقها الدموع عند رؤيتي أفتح عيوني, اقتربت مني تقبّلني وهي تخفي بكاءها خلف جدارٍ من التماسك يكاد يتصدّع في أي لحظة.

التفت الرجل اليها وقال: لا تخافي يا سيدتي, إنها بخير وستتعافى قريباً, مسكينة هذه الفتاة لقد فقدت والديها وشقيقتها في تلك الغارة العنيفة, أغمضتُ عينيّ مرة أخرى, وعدتُ ألصق تلك الورود الجميلة في مخيلتي, أضع الحمراء قرب البيضاء وتحت الصفراء, سمعتُ شقيقتي تقول لي: أحبكِ…أحبكِ….أحبكِ…

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...