محمد كريشان
كاتب وإعلامي تونسي
فيما يستمر الحر الشديد في تونس هذه الأيام مع انقطاعات متكررة للكهرباء والماء وانعدام شبه كامل حتى لقوارير الماء المعدني في الأسواق، ما زال عشرات السجناء السياسيين وسجناء الرأي يقبعون وراء القضبان في ظروف مزرية.
وحتى لا ننسى أو نعتاد، فمن بين هؤلاء ثلاثة صحافيين هم برهان بسيّس ومراد الزغيدي بعد أن أيّدت محكمة الاستئناف في شهر أيار/ مايو الماضي حكماً يقضي بسجنهما لمدة ثلاثة أعوام وستة أشهر لكل منهما، وزياد الهاني بعد أن أيّدت نفس المحكمة في يونيو/حزيران الماضي حكما بسجنه لمدة عام. كانت التهم بالنسبة للأوليْن هي تهرب ضريبي وغسيل أموال، وللثالث هي الإساءة إلى الغير عبر مواقع التواصل إثر انتقاده أحكاما قضائية صدرت ضد زميله الصحافي خليفة القاسمي الذي برّأته المحكمة صيف العام الماضي لكن بعد أن قضى في السجن سنتين بتهمة إفشاء معلومات تخص عمليات أمنية جرت في البلاد.
لم يكم خافيا على أحد أن الأسباب الفعلية لسجن هذا الثلاثي تعود في حقيقة الأمر إلى الانزعاج من أدائهم الإعلامي في المقام الأول وجرأة بعض مواقفهم المعلنة، وربما من أشياء أخرى لم تشأ السلطات الإفصاح عنها لما تسببه لها من إحراج.
ما يؤكد ذلك أن برهان بسيّس ومراد الزغيدي (الحامل للجنسية الفرنسية أيضا) حين اعتقالهما صائفة 2024 كانت تهمتهما «نشر أخبار كاذبة وإدلاء بتصريحات زائفة بقصد التشهير بالغير» استنادا إلى المرسوم القمعي عدد 54 سيئ الصيت، فصدر بحقهما حكم بالسجن لثمانية أشهر توقفت على إثرهما البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي كانا يقدّمانها وتحظى بنسبة متابعة عالية. وحين كانا على وشك مغادرة السجن بعد قضاء العقوبة، صدرت في ديسمبر 2024 أوامر إيداع جديدة بحقهما، ولكن هذه المرة بتهمتَي «غسيل الأموال والتهرب الضريبي» مما يدل على الإصرار الأصلي على إبقائهما خلف القضبان.
وبحسب هيئة الدفاع، ووفق ما نشرته منظمة «مراسلون بلا حدود» فإن التحقيقات التي أُجريت على مدى أكثر من عام لدى البنك المركزي والإنتربول والسلطات الأوروبية لم تُثبت أي تدفقات مالية مشبوهة، ولا أصول مخفية، ولا معاملات مريبة. كما أكدت الهيئة أن الملف لا يعدو كونه مخالفات ضريبية بسيطة كان بالإمكان معالجتها والصحافيان في حالة سراح، مما يجعل الحكم «غير مبرَّر إلا بدوافع سياسية»، كما استنتجت «مراسلون بلا حدود» ومنظمات دولية مرموقة أخرى مثل «لجنة حماية الصحافيين».
المصيبة لم تقف عند هذا الحد فقد تم تجميد أموال عائلتي بسيّس والزغيدي وجميع مدخراتهما المتواضعة، وحتى المبالغ التي تم جمعها لتسوية الديون الضريبية موضوع القضية، وكذلك مساهمتهما في الصناديق الاجتماعية، وهي سلسلة من الإجراءات المقوّضة بالكامل للاستقرار المادي للعائلتين وكرامتهما الشخصية والاجتماعية.
هذا الوضع دفع بسيّس إلى كتابة رسالة مؤثرة من داخل السجن يدعو فيها إلى رفع الأيدي عن العائلات معتذرا من زوجته وعائلته التي «حملت عبء العمل والكفاح سنوات طويلة لتجمع هذا المبلغ المتواضع، لا ترفًا ولا فسادًا، بل ادّخارًا عائليًا بسيطًا، وديعة أمان في وجه تقلّبات الغد، بعنوان واضح: مواجهة نوائب الدهر لنا ولحفيدنا هارون. هذا المال لم يكن رقمًا في ملف، بل خلاصة عمر كامل. وقد يسامح حفيدي هارون يومًا على المال، لكنه لن ينسى أنه حُرم من جدّه في أدقّ سنوات التشكّل، وأن ذاكرته تشكّلت على طوابير الانتظار أمام السجن، والعائلة اليوم بلا مورد رزق (…) زوجتي لا تملك أي دخل آخر، وقد حُرمنا في مسار التقاضي، حتى من حقّ التصرف في مدّخراتنا لتأمين أبسط شروط العيش. هكذا تمتدّ آثار العقوبة خارج أسوار السجن، لتطال العائلة، وتُثقِل كاهلها، وتدفعها إلى الهشاشة».
الشعور بفداحة الظلم دعا مراد الزغيدي في يونيو/حزيران الماضي إلى شن إضراب عن الطعام انضمت إليه تضامنا كل من شقيقته مريم وابنته إيناس، أما إيثار، ابنة زياد الهاني، فكتبت تقول إن السلطة عندما تزج بهؤلاء الصحافيين في السجن فهي «لا تريد إسكاتهم هم فقط، بل كذلك أن تعاقب عائلاتهم، حتى تصبح حياتهم تتمحور حول زيارة إلى السجن، حول طريق طويل، حول القفة التي يحملونها إليهم، كي تستهلكك نفسيا وجسديا حتى لا تعود لك طاقة لا للغضب ولا للنضال ولا حتى للحياة العادية. لكن ليكن في علمكم أن الغضب يزيد مع كل زيارة ومناسبة حرمتمونا فيها من أن نجتمع سويا، ومع كل نطفة ظلم سلطتموها علينا وعلى غيرنا. نحن رافضون التعوّد، التعوّد على الظلم، التعوّد على السجن، التعوّد على غياب الناس الذين نحبّهم، التعوّد على فكرة أن مواطنا يمكن أن يدخل السجن بسبب رأي أو موقف».
لم تتردد نقابة الصحافيين التونسيين في الوقوف مع محنة هذا الثلاثي المسجون، وكذلك المنظمات الدولية، ولكن ما هو مطلوب من الصحافيين أنفسهم ما زال دون المستوى بكثير لأن ما أصاب هذا الثلاثي يمكن أن يصيب أي واحد منهم، في أي وقت، ولأي سبب، في بلد أصبح فيه الظلم والعبث شيئا عاديا.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





