ذ.شاهر الحاج جاسم
باحث في الشؤون الدولية
دخلت هولندا مرحلة جديدة مع صعود حزب اليميني المتطرف خيرت فيلدرز كأكبر قوة سياسية في السياسة الهولندية بعد الانتخابات العامة التي جرت في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، حيث تمكن حزب الحرية “PVV” بزعامة فيلدرز من الفوز بـ 37 مقعدا في برلمان البلاد المؤلف من 150 مقعدا، وهو أكبر كتلة مستقلة، متفوقا بفارق كبير على حزب الشعب المحافظ “VVD”، أبرز حزب هولندي منذ 13 عاما.
مهمة صعبة
ويواجه خيرت فيلدرز ذو الـ 60 عاما، مهمة صعبة تتمثل في محاولة تشكيل ائتلاف ناجح، من خلال مغازلة الأحزاب الأقرب إليه في التوجه وتقريب وجهات النظر بينهم، في ظل تأرجح تصريحات الأحزاب المراد التحالف معها بين الموافقة والرفض إعلامياً، لفرض أكبر قدر ممكن من الشروط وانتزاع امتيازات مهمة وحقائب وزارية.
وعلى الرغم من أن فيلدرز خفف من لهجته المعادية للإسلام خلال الحملة الانتخابية، إلا أن برنامجه الانتخابي يتضمن بنودا مثيرة للجدل، وهي:
حظر على التعليم الإسلامي.
إنهاء اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باللاجئين “صفر لجوء”.
عدم وصول طالبي اللجوء وحراسة الحدود الهولندية.
حظر على الحجاب الإسلامي في المباني الحكومية، لا للمدارس الإسلامية أو أصول قرآنية أو مساجد.
الجدير بالذكر، هو أن الكثير من القرارات والتعهدات التي أطلقها فيلدرز غير قابلة للتطبيق لأنها في الأساس مخالفة للدستور، ولكي يتم تنفيذها تحتاج إلى المرور بسبع مراحل دستورية، أي أن الأمر معقد وغير قابل للتحقيق.
عقلية رجل الدولة
ومن المؤكد أن نجاح فيلدرز في الانتخابات، ورغبته في الاستمرار في الحكم، سيدفعانه إلى التقليل من طروحاته الأكثر تطرفا، وانتهاج سياسات أكثر اعتدالا في مواقفه، والتصرف بعقلية رجل الدولة، وهو الذي دفعه للقول بعد ظهور نتائج الانتخابات، “إنه يريد أن يصبح رئيس وزراء لكل الهولنديين، وسوف يعمل بجد مع الأحزاب الأخرى لتشكيل ائتلاف”.
وأضاف: “سنتأكد من أن هولندا ستكون للشعب الهولندي مرة أخرى، ونقوم بتقييد تسونامي اللجوء والهجرة”.
وهذا يدل على أن قضية اللجوء والهجرة ستكون أضعف قضية لتحقيق مكاسب لدى الناخبين من خلال تشديد الإجراءات ووضع العراقيل.
وإذا نظرنا إلى بعض البنود الأخرى في البرنامج الانتخابي لحزب الحرية، مثل: زيادة الحد الأدنى للأجور، ومكافحة الغش في مسألة المزايا الاجتماعية، والمزيد من المعلمين، والمزيد من العاملين في المجال الطبي، وإدراج رعاية الأسنان في التأمين الصحي، ونجد فيها أن حزب الحرية لا يمكن اعتباره حزباً يمينياً بشكل كامل، وذلك ببساطة لأن هناك عدداً من البنود والتعهدات في البرنامج الانتخابي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي يمكن وصفها باليسارية، وبعض العناصر الأخرى المناهضة للهجرة واللجوء باعتبارها يمينية.
يقال إن السياسة يجب أن تكون تعبيراً عن الإرادة العامة للشعب، وهو ما يريد حزب الحرية بقيادة فيلدرز أن يظهره للناخبين، أي المساهمة في حل المشاكل الكبرى التي تواجه الهولنديين: العدد الكبير للغاية من طالبي اللجوء، عدد قليل جدًا من المنازل، وعدم كفاية القوة الشرائية، وسوء الرعاية الصحة والأزمات الأخرى.
كما يرى مراقبون أن فيلدرز يحاول استغلال أخطاء الحكومات السابقة، على سبيل المثال، بدلاً من معالجة التضخم بالطريقة الصحيحة من قبل الإدارات السابقة، تم رفع الرواتب بأكثر من 10٪، وهذا ليس حلاً للمشكلة، بل هو تغيير للمشكلة، علاوة على ذلك، كانوا يخططون لفرض ضرائب أعلى على الشركات، مما يزيد من تكاليف المعيشة للمواطنين.
ومن أهم التحديات التي ستكون على طاولة الحكومة المقبلة أياً كان شكلها، سيكون اتخاذ القرارات اللازمة في عدة ملفات حساسة، مثل الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين من مختلف البلدان، وتكاليف الطاقة، وإصلاحات سوق العمل والسياسات المتعلقة في المناخ، وأزمة الإسكان، وبالتأكيد أن أي إجراء سوف يتخذ سيؤثر على المسارالاقتصادي للبلاد في السنوات المقبلة.
في هذا السياق، إن أي تدابير قد تتخذ في السياسات العامة ستكون مكلفة، والسؤال الأهم من أين سيحصل فيلدرز على الأموال اللازمة لتنفيذ قراراته في تحسين مستوى معيشة المواطنين وخفض الضرائب وغيرها من القضايا الملحة، خاصة أنه لا يملك الخبرة الكافية لإدارة البلاد في ظل ظروف استثنائية ووضع اقتصادي صعب، ولذلك، يرجح بعض المراقبين ربما يحاول فيلدرز خفض الأموال المتعلقة بالاتحاد الأوروبي وتحويلها داخليا لتغطية النفقات ذات الصلة بسياسته، ولاسيما أنه من معارضي سياسات الاتحاد الأوروبي ويؤيد إجراء استفتاء على خروج بلاده من هذا التكتل.





