القضية الفلسطينية.. كيف يتصورها الدكتور أحمد الريسوني؟ (4)

 

 

 

 

بقلم: ذ.محمد زاوي

 

 

 

4-د. الريسوني والموقف الرسمي العربي والإسلامي

عند د. أحمد الريسوني موقف خاص من القضية الفلسطينية، إليه يحاكم مواقف الدول العربية والإسلامية. الموقف الواجب في نظره هو: “دعم المقاومة الفلسطينية ماديا ومعنويا، وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، واستنكار جرائمه، ورفض التطبيع معه، ونصرة الشعب الفلسطيني كلما استجد مستجد”. ما من دولة تحيد عن هذا الواجب، ولو في واقع خاص وخاضعة لظروف خاصة؛ إلا ويستنكر د. الريسوني موقفها.

-الموقف المصري

يبني د. أحمد الريسوني على أساس صحيح فيما يتعلق بمشاركة جماعة الإخوان المسلمين في حكم ما بعد “ثورة 25 يناير” في مصر.. إذ أن “جماعة الإخوان المسلمين -في نظر د. الريسوني- لم تشارك أبدا طيلة 80 سنة من تأسيسها في أي تجربة حكم ومعظم الأوقات كانوا في السجون أو المنافي، كما أن عقيدة الدولة المصرية من جيش وأمن وقضاء وإدارة و”جيش الفنانين” كانت كلها ضدهم وضد شيء اسمه “شيطان الإخوان”. (أحمد الريسوني، حوار لقناة “بلانكا بريس”، غشت 2022)

إن “حكم جماعة الإخوان المسلمين بمصر كان محكوما بالفشل، لأن أجهزة الدولة كانت تخلق لهم العراقيل المستمرة، وكان تحارب مرسي وهو رئيس”، يقول الريسوني في نفس الحوار.

قلنا إن هذا الأساس صحيح، ف”الإخوان” لا يتوفرون على المؤهلات السياسية لحكم مصر.. إلا أنه يحتاج إلى مزيد تعميق، إذ السؤال الذي كان مطروحا على الإخوان في مصر لا يتعلق بمدى قدرتهم على القيادة في ظل مؤسسات رافضة فحسب، بل مدى استيعابهم للشأن المصري قبل ذلك. وفي نظرنا أن الموقف السياسي السديد من تدخل الجيش المصري ضدهم عام 2013 محكوم بالإجابة على هذا السؤال.. ذلك أن الذي لا يستوعب الشأن الوطني بمختلف حيثياته وتفاصيله، لا يكون مستأمنا على مصالح الوطن. ما الفعل إذن والسياسة تجري، والزمن محسوب لا ينتظر أحدا؟!

يفضل الريسوني، كعدد من مفكري وزعماء الحركة الإسلامية، عدم طرح هذا السؤال، ولا سؤال “ما كان يفعله إخوان مصر في سيناء”، ولا سؤال “الحدود التي لم تستبح كما استبيحت زمن الإخوان”، ولا سؤال “الرهان الأمريكي على الجماعة وقد بلغ حد تهديد الجيش بعد تدخله”.. بدل ذلك يتم التركيز على ما يسمى في “أدبيات السياسة الإسلامية العولمية” ب”منكر الانقلاب”.

في هذا الإطار، يعتبر د. الريسوني تدخل الجيش في مصر “عدوانا على الشعب المصري وعلى حريته وعلى ثورته… وانقلابا وتسلطا” (أحمد الريسوني، حديث ل”قدس بري”، 2018)، ويرى أنه “يدل على أن الطريق إلى الديمقراطية والشرعية، مازال محفوفا بالمخاطر، وأنه ليس كما ظننا طريق آمن.. (إنه طريق) مازال يعترضه قطاع الطرق واللصوص” (أحمد الريسوني، شريط فيديو تفاعلي مع أحداث مصر، 2013)

نستنتج أن هناك حكما مسبقا على الجيش المصري، عند د. الريسوني كما هو عند أغلب الإسلاميين.. وهو حكم لم يتخلص بعد من رواية “الإخوان” عن سجون جمال عبد الناصر. إن هذه الرواية بالذات ما زالت إلى اليوم تحول بين إسلاميي الوطن العربي وبين فهم واستيعاب الشأن المصري.. أغلبهم لا يقرأ واقع مصر بما تقتضيه القراءة الموضوعية، ولكن انطلاقا من رواية الإخوان عن “استبداد عبد الناصر” و”خيانة السادات” و”انبطاح مبارك لأمريكا”، وأخيرا “انقلاب السيسي على الشرعية”… وهذه شعارات لا حقائق ملموسة، انطباعات لجماعة بعينها جرّت معها أغلب الإسلاميين لساحة من “اللطم السني”، لا إلى الوعي السياسي المستوعب للشأن المصري.

منتظَر إذن أن تحكم القتامة مواقف الإسلاميين من علاقة دولة مصر بالقضية الفلسطينية، وهي القتامة نفسها التي حكمت موقفهم من التطبيع المصري في كامب ديفيد عام 1978.. موقف يغرد خارج سرب “السياسة المصرية”، وهي سياسة مزدوجة إلى حد بعيد، ليس التطبيع فيها بالسذاجة التي تصورها رواية الإسلاميين.

لا يخوض الريسوني غمار هذا النقاش، فيحاكم التطبيع المصري بالفشل الذي لقيه، ويقول: “لو كان للتطبيع مع إسرائيل أن ينجح لنجح في مصر والأردن، وقبل ذلك مع الفلسطينيين الواقعين تحت حكم إٍسرائيل، ولكن الفلسطينيين والمصريين والأردنيين هم أشد الشعوب رفضا لإسرائيل ولحلفائها العرب وغير العرب” (أحمد الريسوني، حوار للأناضول، 24/ 09/ 2020).

إن هذا الرفض الشعبي ليس عفويا، ولم يكن كذلك منذ البداية.. للدولة شؤون في أجهزتها، وأخرى في المجتمع. وهو ما أطلقنا عليه “الموقف المزدوج”. وهو موقف لا يُفهَم من ظاهر الممارسة، بل من بحث باطنها ومعرفة محركاتها ورصد علاقة الدولة المصرية بمجتمعها. عزل الدولة عن مبادرة الشعب عزل إيديولوجي في أذهان أصحابه.. في الواقع غير ذلك تماما، وهو ما يحرج خصوم الجيش المصري وإدارة دولته.

نفس الحرج يستمر مع الوساطة المصرية في القضية، هذه الوساطة التي تحبذها أطراف في حركة “حماس” بل تثق فيها، بعد أن قطعت مع مواقف سياسية أملتها فتنة “الربيع”.. ورغم ذلك يقول د. الريسوني: “دول ثلاث هي قطر وأمريكا ومصر، توسطت بين المقاومة الفلسطينية و”إسرائيل” في الاتفاق الأخير بين الطرفين (اتفاق الهدنة الأولى/ طوفان الأقصى).. دولتان منهما تمثلان “إسرائيل” ومصالحها، والدولة الثالثة تمثل الجانب الفلسطيني ومصالحه” (أحمد الريسوني، الموقع الإلكتروني للدكتور الريسوني).

ليست أمريكا بممثل للكيان الصهيوني في المفاوضات، بل هي صانعته ومحركته ووجودها يعبر عن مصالحها بدرجة أولى، أما مصر وقطر فكل منهما بمصالح جيوسياسية في المنطقة. لمصر علاقة ب”إسرائيل”، ولقطر علاقة من نوع آخر.. من ينحاز لأحدهما على الآخر، ينحاز لمصلحة دولة على حساب أخرى مهما كان رجاؤه المبدئي.

وإذا كانت “حماس” في نسختها الوطنية غير منحازة، تتعامل مع مصر كتعاملها مع قطر، يعني بمنظار مصلحة “القضية الوطنية الفلسطينية”.. إذا كان الأمر كذلك، لماذا يقف الإسلاميون إلى جانب قطر وضد مصر؟! أليست “حماس” أكثر منهم قدرة على ممارسة السياسة بقواعدها؟! ألم يان لإسلاميي الوطن العربي أن يجعلوا من أوطانهم منطلقا للتفكير كما فعل يحيى السنوار القائد الميداني لحركة “حماس”؟!

(يتبع.. في مقالات مقبلة نتحدث عن موقف د. الريسوني من المواقف الرسمية لكل من الإمارات، وقطر، وإيران، والسعودية، والمغرب)

إيطاليا تلغراف

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...