د.الحبيب ناصري
المحلية اليوم، مدخل أساسي لتقوية مناعة المتعلم في عولمة مرعبة تطحن الأخضر واليابس، وتبحث عن تعليب كل مظاهر الحياة وبيعها حتى ولو كان ذلك على حساب قيم وثقافة الإنسان !. في ثمانينيات القرن الماضي أنجزت صحبة العزيز عبد الرزاق مركوك، بحثًا للتخرج من المدرسة العليا للأساتذة معنونا ب” إمكانية تدريس الأدب الشعبي بالتعليم الثانوي”، بحث كانت الغاية منه لفت الانتباه إلى غياب أو تغييب أي صلة بهذا المكون في مقرراتنا الدراسية !. لا أثر واضح وهادف لأدبنا الشعبي في أي مورد من موارد مادة اللغة العربية التي يتعلمها المتعلم في أي مستوى دراسي من مستويات التعليم الثانوي. اليوم ومن زاوية واسعة تتعلق بالثقافة المغربية الشعبية، وبكل محتوياتها، لا وجود لها في كل محتويات مادة اللغة العربية وغير هذه المادة، وفي كل الأقسام الدراسية بالتعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي.قد يرد علينا أحدهم أن هذا سيؤدي الى الانزلاق نحو اللغة المغربية العامية و”إشكاليات تعلمها”!.
وآخر سيقول المدرسة لتعلم الفصيح وما له صلة بالفصيح.والآخر قد يقول إن هذه الثقافة”مدنسة”، والمدرسة وظيفتها تعليم” المقدس”، وآخر قد يقول إن هذه الثقافة لا عقد ازدياد دقيق لها، فلا نعرف لا من قال هذا المثل الشعبي، ولا من قال هذه الحكاية الشعبية، ولا من غنى هذه العيطة، الخ. مدرستنا لا زالت تعلم العديد من المحتويات التعلمية من زاوية تحقيبية تاريخية مبنية على من كتب هذا النص في مرحلة زمنية معينة دون القدرة على خلق محتويات تعلمية وفق “معايير” ذوقية تربوية جمالية وطنية وإنسانية، الخ ؟. الثقافة الشعبية غنية بكل محتوياتها ودلالاتها.لها العديد من الوظائف النفسية والاجتماعية والذوقية والقيمية والتربوية والتاريخية، الخ ، الممكن تحقيقها ونحن ندرج بعض عناصرها ضمن مقرراتنا الدراسية وفي مادة اللغة العربية على سبيل المثال والشيء نفسه قد يقع ضمن مواد دراسية أخرى كالتاريخ والفلسفة والتربية الإسلامية ومن زوايا عديدة تخص طبيعة ووظائف ومهام هذه المواد.المحليةو/أو الجهوية الثقافية الشعبية، وفي ظل اختيار المغرب لتدبير شؤونه بهذه الطريقة الجهوية الموسعة، وسيلة أساسية قادرة ومؤدية لتربية المتعلم على معرفة بعض خصوصياته الثقافية المحلية والجهوية، بما فيها طبعًا الثقافة الشعبية. مجرد التفكير في كيفية إدماج الثقافة الشعبية في بعض محطات مقرراتنا الدراسية قد يفتح بابا للنقاش بين رافض وبشكل مطلق لهذا النقاش وبين مدافع عنه، لكون ثقافتنا الشعبية المغربية وفي كل مدنها وقراها وجبالها وصحاريها، الخ، على الأقل سيتعلم منها المتعلم كيف أن ذاكرتنا الجماعية هي من حكت وغنت ورقصت ودافعت عن الوطن وتسامحت وتعايشت، الخ. سيجد العديد من أشكال الفرجة الجماعية حاضرة أيضا في هذه الثقافة الشعبية. سيدرك قيمتهاوسيثمنها وسيعتز بها وهو المفتون بغنائها الشعبي الحاضر اليوم في أنماط موسيقية عديدة.ما المانع من ادراج ولو عناصر قليلة ضمن مقرراتنا الدراسية من هذه الثقافة الشعبية المغربية العريقة، والتي هي مصدر من مصادر فهم هذه الذات المغربية الغنية في ثقافتها العالمة والشعبية ؟. هي فرصة أيضا للحفاظ عليها وجعلها حاضرة ضمن التفكير التربوي المغربي وبشكل دائم. ان التفكير في ربط المتعلم بمحيطه المحلي والجهوي والوطني ككل، لن يتحقق بمعزل عن ربط صلته بثقافته الشعبية التي ستقوي عشقه لمحليته وجهويته ووطنيته ككل.
نعيش اليوم في عولمة مفتوحة على كل الاحتمالات، لاسيما في ظل هذا التدفق التكنولوجي وما أنتجه من وسائط بصرية عديدة. كل هذا يفرض علينا إعادة النظر في مقرراتنا الدراسية ومناهجنا التربوية، في أفق خلق فضاءات ومساحات تربوية تمكن المتعلم من تثمين ثقافته المحلية والشعبية، وجعله يعتز بها ويعي ما تنهض عليه من قيم عديدة.
قد تخرج المدرسة الطبيب والمهندس والمحامي والقاضي والمدرس والجندي، الخ، لكن إن لم تخصب نظرته لذاته وللآخر وللعالم، فقد تحوله إلى مجرد تقني يتقن عمله بمعزل عن وعيه ونضجه الثقافي العالم والشعبي. نحن في أمس الحاجة إلى إعادة النظر في كل ما تقدمه مدرستنا للمتعلم. لابد من انفتاح المتعلم على محيطه المحلي والجهوي، وتحسيسه بما أنتجته ذاكرة الجماعة من تراث مادي ولا مادي.
الثقافة المحلية الشعبية، مكون جوهري من مكونات هويتنا الوطنية والإنسانية. التفريط فيها والتنقيص من قيمتها، فعل سندفع ثمنه من خلال ترك مساحات فارغة تلعب فيها عناصر مؤسسة للتطرف كيفما شاءت بل إن الثقافة الشعبية صمام أمان ضد كل أشكال العنف والقبح والتطرف..





