مثقفو الغرب وبناء المعنى في الضّحك على العرب

 

 

 

 

الحسام محيي الدين

 

 

 

صدقاً ، لم نجد ما يعادل مفردة ” الضّحِك ” دلالةً في الترميز عما يشيه هكذا عنوان صادم حقاً لمن يريد أن يفهم ، وحيث أنّ فعل ” ضَحِكَ ” قاسٍ جدا هذه الأيام فلا يمكن أن يحمل إلا معاني السّخرية والخداع والاستهزاء والسّادية ، تماهياً مع ما اعتقدناه بأنّ شرّ البلية ما يُضحك ، وامتداداً إلى اقتناعنا بأنه قد فشلت كل محاولات النجاة بأنفسنا من أنفسنا أوّلاً ، ثم من تاريخنا ، حتى هزائمنا المتواصلة على امتداد 75 عاماً ، ونحن نرى إلى ما جرى ويجري في فلسطين اليوم ، تحت مظلة اللامبالاة التي يبدو أنها أراحت وتريح مثقفي الغرب ( فلاسفة وأدباء وعلماء ) كل تلك الفترة من عناء الموقف والكلمة الحرة في بلاد ” الحرية والديمقراطية ” ، وحيث لا ننتظر من القارىء المستنير أن يتساءل لم الغرب ، وهو الذي يفترض أنه يعلم جيدا أنّ الأخير دخل إلينا وأقام سرادقاته الناشطة بادىء الأمر ترويجاً لطروحاته الفكرية والأدبية حتى تركّزت في صلب هويتنا المعرفية منذ أكثر من قرنين في الزمن وقابلناها بحُسن النية برغم امتلاء المشهد بمن فرضها علينا بالتلازم مع منظومات الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي ، من مستشرقين طريدي ثقافاتهم الأصلية ، أو معجبين من عندنا مُحابين وأنصاف مثقفين ، أو ممالئين على طريقة العمالة للأوروبي والأميركي بخلفيات طائفية / مذهبية اخترعت لنا مصطلح ” عصر النهضة ” بما يناسبها وسوّقته في ظلّ ضعف النظام السياسي العربي المتناحر ممالك ودويلات جاهلية أكّدت أنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب !

كان احتلال فلسطين امتداداً لهذا السياق ، أحدُ وجوهه اختراع اليهود الصهاينة جائزة القدس منذ العام 1963 ، التي تمنحها بلدية القدس ، تلميعاً لصورتهم البشعة وذراعاً ثقافية تنظّر وتروّج للاحتلال في الحواضر الغربية التي كان من المؤسف أنّ طائفة وازنة من مفكريها الكتّاب والعلماء ومن جنسيات مختلفة بين أوروبا وأمريكا ، وممّن عدّهم العرب نماذج نوعية وقامات فكرية / ثقافية مثالية لعقود ، هؤلاء ، هكذا وبكل بساطة ، حضروا إلى فلسطين المحتلة ليستلموا تلك الجائزة بعد إذ مُنحوها ، ولم يلتفت منهم أحد إلى قدميه حيث يقف على أرض محتلة سُحل شعبها وقُتل ونكّل به ، فيما هُجّر من بقي على قيد الحياة لاجئاً إلى بلاد القسوة والانتظار والأمل البعيد بالعودة إلى وطنه . لم يكترث منهم أحد لشعور فلسطيني أو عربي ، مثقف ، مفكر ، شاعر وأديب ، أو عالم ، ولا لحساسية ملايين العرب والفلسطينيين لو اكتشفوا ( وقد اكتشفوا ) التناقض الفاضح بين ما قالوه وما كتبوه ونشروه حول العالم من معاني ” المبادىء الانسانية ” و” المحبة ” و ” السلام ” والإخوة العالمية ” وثقافة التلاقي ورفض الاحتلالات ، إلى المثاقفة والاصلاح والتطور والتسامح ؛ فانظر إلى الفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل داعية السلام والاشتراكية و” المناهض للحرب وللامبريالية ” عدو ستالين وهتلر وضد تورط أميركا في فييتنام ، واسمع للشاعر المكسيكي أوكتافيو باث الحائز جائزة نوبل للأدب عام 1990 ” معارضاً شرساً للفاشية ” بأشكالها أينما وُجدت ، وتأمّل في الروائي البيروفي ماريو بيدرو فارغاس يوسا الذي نال أيضاً جائزة نوبل عام 2010 وتأييده للاصلاحات الاجتماعية والسياسية ولحقوق الانسان ، وتعمّق مع رؤى الفرنسية سيمون دي بوفوار المفكرة والفيلسوفة التي ناصرت حقوق المرأة وقاومت اضطهادها وكان الانسان بأزماته الوجودية همّها الكبير في الحياة ، ثم تفكّر في مبادىء الروائية الأميركية سوزان سونتاغ وهي تناهض حرب بلادها ضد فييتنام ، إلى الكاتب والروائي الياباني هاروكي موراكامي رمزاً كبيراً للأدب ” الانساني ” ، والكاتب والناقد الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس أبرز كتاب القرن العشرين الداعي للديمقراطية والمناهض للديكتاتورية والاضطهاد السياسي ، والمؤلف المسرحي الروماني / الفرنسي يوجين يونيسكو الذي تعمق في مآسي الانسان وحارب الايديولوجيات الدينية ، إلى أشعيا برلين ، غراهام غرين ، ميلان كونديرا ، إرنستو ساباتو ، ستيفان هايم ، آرثر ميللر ، أنطونيو مولينا ، الألباني اسماعيل قادري ، كارل كناوسغارد ، وغيرهم كثيرون . نقول انظر وحلّل وتأمّل وتعمّق وتفكّر أيها العربي في التناقض الرهيب بين مبادىء هؤلاء الانسانية ، وتصرفاتهم التي أكّدت أنّ فلسطين القضية والوطن والنضالات والشهداء ، بحر الدماء ومساحات المجازر والإبادة لعقود طويلة ، تأتي كلها في آخر اهتماماتهم ، رافعين نخب ” اسرائيل ” وهم يتلقون جائزتهم العتيدة بكل تودّد وحبور وامتنان على أرض احتلّها من يكرّمهم بإسم الثقافة والمدنية والحضارة الانسانية . لم يخجل هؤلاء وربما لم يشعروا ، مجرد شعور بسيط وفطري أنهم يعاكسون حركة التاريخ ويتواطأون على تاريخ وجغرافيا الفلسطيني مع منظومة عَقَديةٍ كاذبة تدّعي الانفتاح على الفكر وتقدير الثقافة العالمية ، ولا يرون ، كلّهم ،عبئاً ولا عيباً ولا مثلبة أخلاقية في العبور من أقاصي الأرض وجهاتها الأربع تلبية لدعوة منظومة ” ثقافية “يعلمون جيدا أنها صنيعة احتلال ذي عقيدة دينية أصولية المفترض أن تلفظها علمانيتهم ومدنيتهم التي يفاخرون بها في كل حين وحال . لا يمكن للغفلة أن تتسلل إلى عقول هكذا مثقفين عما جرى ويجري من المجازر والتنكيل وسجن النساء والأطفال والرجال والشيوخ ، وأساليب الخداع والمؤامرة والكراهية ، كراهية العرب والمسلمين تحديدا ، ولا يمكننا التصديق بأنه لم يسمعوا بأن هناك شعباً تمّ طرده من المكان الذي يقفون فيه بكل قساوة وإجرام ودموية وأن ما يرونه من جمال ومحبة وتسامح في احتفال الجائزة هو صورة زائفة لحقيقة أنّ هناك معتدٍ ومعتدى عليه ، ظالم ومظلوم . تاريخيا ، أثبت مثقفو الغرب أننا خارج حساباتهم الفكرية ، ولطالما رأوا أنّ فلسفاتهم ومبادءهم خارج نطاق عقولنا وأكبر من فهمنا وأوسع من وعينا ، وأننا خارج تاريخ سيرورة الثقافة العالمية ، وأننا مجموعة من المستهلِكين السُّذج الذين يدفعون لشراء كتبهم والاحتفاء بهم ، فيما هم غير ممتنّين طبعاً وهم يلعبون معنا لعبة الايهام بأننا نقوم بواجبنا الثقافي لا أكثر ولا أقل وقد نتمكن من فهمهم يوماً ما ، في عملية استلابٍ قاسٍ جداً وتغريب عبثي ولا مبالاة بكل ما قاله وكتبه العرب ، كلّ العرب ، من المحيط إلى الخليج .

ما أثبتته حرب غزّة اليوم أن مثقفي الغرب لعبوا معنا لعبة التثاقف المزيف منذ عقود ، فأعملوا فينا تشويهاً وتسخيفاً وتقليلاً من أمرنا قولاً وفعلا ، فلم يروا فينا بشراً ( وعذرا لقساوة الكلمة أيضاً لكنني أعنيها بالمباشر ) ولا أناساً مكتملي الكينونة في العقل الواعي واللاواعي ، والفكر والهوية ، في الروح الحضارية والأصالة ومدنية الحداثة . لقد ضحكوا علينا ، وعاملونا بازدراء واحتقار ولم يقتنعوا بنا ، لا مفكرين ولا مثقفين ولا أدباء ولا فنانين ولا فلاسفة ، فما رأينا ولا سمعنا ولا وجدنا ولا صادفنا أنّ واحداً منهم تأثّر أو استلهم أو أخذَ منا فكرةً واحدة ، رأياً ، نظرية ، مفهوماً ، مصطلحاً ، كتاباً ، معجماً ، بل بؤرةً استهلاكية لأيّ شيء يقولونه مهما كان تافها ، يقهقون منا في سرّهم ، من بلاهتنا ونحن نصدّق كلّ ما نظّروا ودفعوا إلينا من تهيؤاتهم الفكرية ، نحاول فهمها ولا نفهمها . ولكنْ نعم ! ما الوازع الأخلاقي الذي يمنع أن نكون حقول تجارب لنجاح أو فشل نظريات وفلسفات هؤلاء التي صدّروها إلينا ؟ والتي ، ويا للغرابة ، لم تنجح يوماً في حلّ مشاكلنا الوجودية بذريعة أننا لم نُجِد استخدامها ؟ لم يُقِم مثقّفو الغرب وزناً لأيّ عربي ولكلّ عربي ، بل احتقروه وهزئوا به سرا ، وعلانيةً إذا اضطر لذلك ، فهم معنا :

واعون أذكياء ، مناورون ، محاورون مجادلون ، يفلسفون الأمور وينظّرون بصيغة الأمر والنهي والشمولية والفوقية ووعي المواطن ” المثالي والنوعي ” المنتمي إلى العالم الأول في مواجهة المواطن العالمثالثي المتخلف البليد ، يبيعوننا كلاماً وأوهاماً وأحلاماً مشروطة بطاعتهم الفكرية التي لا خطأ فيها ، لكنهم مع الآخر ، الاسرائيلي ، بسطاء جدا ، وديعون مسايرون حتى السّذاجة والتهريج ، يختارون كلّ كلمة في مخاطبته ويخافونه في أية زلّة لسان ، ويقفون على خاطره ، لأنه الاسرائيلي : عدوُّهُ عدو وصديقُهُ صديق . لم يرفض مثقفو الغرب جائزة بلدية القدس ، لا كلهم ولا بعضهم ولا أحدهم ، حين كان يمكنهم الاعتذار عن قبولها بكل أدب تأكيداً لانسجامهم مع أنفسهم ، أقلّه كما فعل كاتب إيرلندا الشهير جورج برنارد شو الذي رفض جائزة نوبل للآداب عام 1925 ، لا لشيء ، بل لأجل الانتقام من محكّمي الجائزة إذ منحوها سابقاً ولسنوات لمن لا يستحقونها ولا يرقون لمستواه الأدبي كما يرى . ربما هي أخطاؤنا التاريخية ، قراءتنا التعسفية لثقافة الغرب ونحن نقدّم حسن النية في التعامل معها ، وها إننا اكتشفنا أنّ هذه الثقافة مسألة خطيرة ، وسخة جدا ، أدخلتنا في ” الحرملك ” الخاص بأصحابها منذ زمن طويل ، ومن بقي على قيد الحياة منهم اليوم ، مثقفاً مفكراً أديباً ، لا يخجل من استكمال تلك المسيرة توّاً في الزمن الذي تواجه فيه غزة إبادة جماعية ، وفي العالم الذي أصبح قرية صغيرة . لقد تغيّر كل شيء بعد 7 تشرين ، وها هي فلسطين ، وحدها ، تقاتل العالم : الولايات المتحدة الأميركية ، وأوروبا متحدة وراءها ، نعم ، هذا هو العالم اليوم ، ونحن لا يمكن أن نكون بعد 7 تشرين كما كنا قبله ، بل من الجنون والسذاجة والخيانة والانتحار أن نعيد البحث في متاهات الفكر الغربي ، أن نصدّق ونؤمن بهذا الانسان الزائف السوبرمان الذي وعدونا أن نكونه ، وحدّثونا عن جنته الموعودة بين ثنايا مبادئهم حبراً على ورق ، المبادىء التي عنونوا بها واجهات وأنصبة الجامعات والصروح العلمية والقانونية العريقة ثم باعوها كي ينالوا جائزة صهيونية بامتياز ، ولا يمكن بعد 7 تشرين بل من الجنون والسذاجة والخيانة والانتحار ونحن اليوم في مرحلة تشكيكية ، لاعقلانية ، ألا نعيد بلورة قناعاتنا وتكوين موقفنا الثقافي من العالم الغربي بعدما تورطنا في فهمه بشكل متأخر وسيّء .

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...