هندسةِ المَنَاعة: من وِردِ الجماعةِ إلى سيادةِ التحييدِ واستراتيجية احتواءِ وتدبير الاحتمال..
* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
في المغرب، دام لهذا البلد الأمين المجدُ والشُّموخ؛ توجد ثلاثةُ مفاتيحَ ربانيّة تُرى بنور الله، لا تُستعار ولا تُستنسَخ،
1. تلاوةُ الحزب الراتب قبل طلوع الشمس وبعد غروبها، وفي آناء الليل وأطراف النهار.
2. وبركةُ أولياء الله الصالحين.
3. وإمارةُ المؤمنين.
لا تعمل هذه المفاتيحُ عملَ الشعائر المجرَّدة، بل هي نِظامٌ رمزيٌّ واجتماعيٌّ فائقُ الكثافة، ينتج مفعولين استراتيجيين متلازمين: تحييداً استباقياً واحتواءً وقائياً. يقومان معاً على منطقٍ دقيقٍ واحد: سحب البساط الاجتماعي من تحت أي تنظيم إرهابي شبه عسكري، يحاول استنساخ نُموذج خارجي في بيئة غير قابلة للاستنساخ أصلاً.
هكذا تغدو هذه المفاتيح بمثابة شروط عدم انعقاد للمشروع الاستنساخي، لا أدوات مواجهة بعد وقوعه. يمكن تسمية هذا المنطق المركّب بـ: «مُسقِطات الاستنساخ».
3. البنية الإيقاعية: تلاوة الحزب الراتب
تلاوةُ الحزب الراتب قبل الفجر وبعد المغرب تشيِّد زمناً جماعياً موحَّد الإيقاع، يُشعِر الفرد بأنه خيطٌ في نسيج روحيٍّ ممتد، قبل أن يبحث الخطابُ المتطرّف عن موطئ قدم.
هذا الإيقاع اليومي ينتج انتماءً سابقاً على كل انتماء طارئ، فيلغى شرطُ «الفراغ الوجداني» الذي تتغذّى عليه التنظيمات الارهابية وشبه العسكريّة. إنها سحبٌ للبساط الزمني من تحت محاولات الاستنساخ.
3. البنية الولائية: بركة الأولياء
بركةُ أولياء الله الصالحين ليست مجرّد تكريم تاريخي لأموات، أو أحياء، بل هي نسيجٌ حيٌّ من الوَلاَءات المقدَّسة، الموزَّعة في تُخوم البلاد وطوبوغرافيا الرموز.
أولياء الله الصالحين يشكّلون «ذرعا وهيكلاً دفيناً» من الشرعيّة الشعبيّة، يجعل المجتمع عَصِيًّا على الاختراق العقائدي، لأن مرجعيّاته التقيّة محفورة في الوجدان قبل أن تُغرز أيّ مرجعيّة دخيلة. إنها سحبٌ للبساط الرمزي من تحت أقدام المُستنسِخ.
3. البنية السياديّة: إمارة المؤمنين
أما إمارة المؤمنين فتُترجِم المفاتيح الثلاثة إلى جدارٍ دستوريٍّ ووجوديّ. إنها الضّمانة الأخيرة التي تتحطّم عليها أمواج التنظيمات شبه العسكريّة، حين تحاول إحلال «ولاية» دخيلة محل «ولاية» متجذِّرة في صُلب الدستور والعقيدة والتاريخ.
لا تكمن قوّتها في ما تمنعه بقوة القانون فحسب، بل في ما تُسقِطه مسبقاً بشروطها: فلا يصحّ تنظيمٌ يدّعي ولايةً عامة في ظل إمارةٍ جامعة. إنها سحبٌ للبساط السيادي من تحت وهم «الدولة داخل الدولة».
الإطار المركّب: «مُسقِطات الاستنساخ»
تعمل هذه المفاتيح الثلاثة معاً بصفتها مُسقِطات للاستنساخ: أسباباً معيارية تمنع انعقاد الشرط الحاضن لأي تنظيم إرهابي شبه عسكري.
فتنظيم انفصالي ارهابي مثلاً أو غيره يحتاج إلى ثلاثة شروط ليكتمل استنساخه:
1. فراغ روحي زمني يسمح بإحلال إيقاع آيديولوجي محل الإيقاع التقليدي.
2. تربة رمزيّة شاغرة تسمح بزرع ولايات طارئة.
3. سيادة قلقة أو غائبة تتيح نشوء كيان موازٍ.
غير أن المغرب، بمفاتيحه النورانيّة، يُبطل هذه الشروط من جذورها:
1. الإيقاع القرآني اليومي (الحزب الراتب) يملأ الفراغ الروحي أو الزمني، فلا يدع وقتاً لضرب إيقاع آخر.
2. الأولياء الصالحون يملأون الفراغ الرمزي، فلا يتركون تضاريس بلا ولاء.
3. إمارة المؤمنين تملأ الفراغ السيادي وتضبط النسق السياسي والاجتماعي والثقافيّ والدينيّ، فلا تقبل ازدواجاً في الولاية العامة.
وهكذا يُصبِح الاستنساخ مستحيلاً، لا لأن المغرب يمنعه بالقوة بعد الحدوث، بل لأنه يُسقط شروطه قبل أن تتكوّن. إنه احتواء صامت، يُفقِد النموذج الخارجي أيَّ إمكانية للاستقرار، فلا يجد التنظيم الأرهابي أو شبه العسكري بيئةً أو تربة خصبةً يغرس فيها جذوره، لأن البساط الاجتماعي مسحوب من تحته مسبقاً، بفعل تلاوة الفجر والعشاء، وولاية الولي، وإمرة المؤمنين.
* قابلية الاختبار:
يُختبر هذا النموذج بمقارنته مع حالات فشل فيها استنساخ تنظيمات شبه عسكريّة في بيئات ذات بنية رمزيّة صلبة، أو نجح فيها في بيئات هشة:
فشل استنساخ النموذج الخميني في مجتمعات سنّية تمتلك أسانيد صوفيّة وإمارات دينيّة تقليديّة.
فشل تنظيمات قامت على أساس “الدولة الإسلاميّة ” في مناطق تسيطر فيها الزوايا والطرق الصوفيّة.
نجاح تنظيم ما مرهون بفراغ سيادي وطائفي أُتيح فيه المجال لتنظيم موازٍ، وهو ما لا تسمح به بنية إمارة المؤمنين المغربيّة.
لهذا لا يحتاج المغرب إلى معارك تفكيك بعد الاختراق؛ لأن موجهات «مُسقِطات الاستنساخ» الثلاثة تمتصّ إمكانية الاختراق ذاتها، وتجعل المحاولة الخارجيّة ترتطم بجدار من الشروط المستحيلة، فلا تجد إلا الصدى المرتدَّ خائباً.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





