ذ.محمد كندولة
وهل بين الصيام كفريضة دينية و الدولة كجهاز تدبيري علاقة حتى نتحدث في هذا الاتجاه ؟
قد يتساءل البعض عند الوهلة الاولى هذا السؤال ، ومرد ذلك ان الخطابات الدينية لا تولي هذ الامر ما يستحق من الاهتمام ، وهذه من المعضلات الكبرى التي تعاني منها الثقافة الاسلامية اليوم ، فبالإضافة الى التجهيل و التسطيح و التبسيط وإفراغ المواضيع الآنية من محتواها المحوري تأتي هذه الاسئلة التي تؤكد الصورة وتبرز الاشكالات الموضوعية التي تعاني منها العقلية الدينية ، الشيء الذي ينشئ لنا شخصيات غير فاعلة في الدين و المجتمع .
يقول الامام ابو حامد الغزالي في كتابه الماتع : إحياء علوم الدين ” الدين و الملك توأمان ، الدين أصل و السلطان حارس ، فمن لا أصل له فمهدوم ، ومن لا حارس له فضائع ، وإنما يكون الضبط بالسلطان ، ويكون فصل الحكومات بالفقه”
ويقول إمام الحرمين عبد المالك بن عبد الله الجويني :” النظام من الذرائع الى تحصيل مقاصد الشرائع “
فكما ان للصيام فقه ، فالدولة لهافقه كذلك ، وكما للصيام مقاصد فالدولة لها هي الأخرى في الاسلام أسرار و حكم .
فالصيام الذي فرضه الله سبحانه و تعالى في شهر رمضان من أجل العبادات ،و ارفع الطاعات ، رتب عليه سبحانه وتعالى ورسوله الكريم الاجور والثواب والدرجات ، وسمو المقامات في الدنيا و الآخرة ، قال تعالى: “كتب الله عليكم الصيام ، كما كتب على الذين من قلبكم لعلكم تتقون ” وقال صلى الله عليه و سلم في الحديث القدسي ايضا : ” كل عمل ابن آدم له الا الصوم فانه لي وانا أجزي به “وقال مرة اخرى :” الصوم جنة يستجن بها العبد من النار”
لكن الصيام الحق هو الذي يبتغي به العبد وجه الله ، ثم التقوى ، بعد حراسة جادة وصيانة واعية ، ومحافظة بالغة لهذا الصيام من المفطرات الحسية و المعنوية مع التطلع الى تحقيق مقاصد الشرع الذي قال فيه الحق سبحانه وتعالى ” لعلكم تتقون”.
فالصوم من الدين ، و الدين أصل ، ومن لا أصل له مهدوم ، هذا على مستوى التكليف الفردي ، الذي ليس فيه الا مسؤولية الفرد المسلم اتجاه نفسه ، فما دور الدولة أو النظام أو الملك في هذا الامر؟
لقد بين الامام الغزالي ، ان الملك/النظام توأم الدين وحارسه والقائم على إقامته في الامة الاسلامية خاصة إذا علمنا ان مهمة الحاكم في الشريعة الاسلامية هي الانابة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا ،وهذا ما قصده الامام الجويني حين قال : النظام / الدولة ذريعة من الذرائع ، ووسيلة من الوسائل ،وطريقة من الطرق لتحصيل فوائد الشرع سواء كانت صياما او صلاة او حجا أو غيرها من الشرائع التي يمكن ان نجملها في ما يلي والتي تدخل في مسؤولية الدولة/ الحاكم المقررة في شرع الله ومنها:
1) حث الناس على طاعة الله عز وجل
2) تنفيذ اوامر الله وشرعه، ونشره بين الناس
3) العمل على رفعة أهل التقى والصلاح في المجتمع
4) الوقوف في وجه أعداء الله ورسوله
5) نصرة المظلومين والاخذ بيد الظالمين
ومن تجليات هذا الترابط بين الدين و الدولة ، وبين الصيام و النظام ، وحتى تمر اجواء الصيام في شهر رمضان مفعمة بالتقوى و الفلاح ، نلاحظ الاستعدادات الاولية ، والترتيبات المكثفة ، قبل حلول رمضان ، من توفير الاطعمة و الاشربة اللازمة ،واعادة النظر في التوقيت ، والتخفيف من حد الالتزامات و الواجبات ، مع العناية بالأمن في الاسواق و الطرقات ، يضاف الى ذلك الاحتفاء بالعلماء والدعاة من بقاع الارض كلها ، مع رفع منسوب الاداء الصحي بنشر ثقافة الاحتياط و الوقاية ،وهذا كله يوكد ان الصوم في رمضان شأن فردي كما هو شأن سياسي تدبيري إداري ،لهذا لابد تغيير نظرتنا لهذه العلاقة بين الدين والنظام بل إدراكها ، والوعي بمن يخطط ليجعل الدين عامة والصيام خاصة أعرافا بالية ، وتقاليد قديمة / وفولكلورا شعبيا يغري السائحين ويبعد المسبحين ، قال تعالى :” الذين ان مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وامروا بالمعروف و نهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور “





