هل إسرائيل مهمة بالفعل؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.سامح المحاريق
كاتب أردني

 

 

 

العالم كبير ومعقد، وثمة ما يمكن وصفه بأثر الفراشة، ولكنه بعيد عن الفكرة الرومانسية، إن رفيف فراشة يحرض إعصارا كبيرا، فالذي يحدث أوسع من ذلك، ولتكتسب النظرية صلاحيتها أصلاً يجب تطبيقها على وقائع تاريخية كبيرة، أدت إلى تغيرات خارج التوقعات.
من ذلك، الفضل الكبير للعثمانيين في ظهور بريطانيا العظمى، فمع سيطرتهم على منافذ التجارة من وإلى البحر المتوسط، تعرضت المدن الإيطالية التي قادت عصر النهضة في أوروبا مثل البندقية وجنوا إلى نكسة واسعة وتضاءلت أدوارها، وتمكن البريطانيون من توظيف خبرتهم الملاحية في أعالي البحار للبحث عن طرق بديلة وجديدة مهدت الطريق لتفوق نسبي مستدام لبلادهم على حساب أوروبا القارية.

يبدو النموذج كلاسيكياً لدى عرضه على نظرية التحدي والاستجابة للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، ولكن قيمته التفسيرية في غاية الأهمية في حال استعراض تاريخ منطقة المتوسط، التي تعد مركز العالم القديم، على المستوى المادي، ومعه البعد الثقافي، فالمركزية الأوروبية لا تعدو إلا نسخة منقحة ومتقدمة من الفكر المتشكل في المتوسط وصراعاته، من الإمبراطوريات القديمة إلى الدول الحديثة. البحر المتوسط أنتج فكراً اختمر في الخوف والعداء، ولأن الواقع الجغرافي يفرض نفسه في النهاية، كانت قناة السويس الطريق المختصر الذي يخضع لسيطرة أوروبية تحميها القوة العسكرية، ومع ذلك، فالذي يحرك العقلية الأوروبية هو الخوف الذي يتردد صداه منذ سان بواتييه وحصار فيينا والحروب حول مدينة البندقية، وحتى عندما تحالف البريطانيون والفرنسيون مع العثمانيين، أتى ذلك لإجهاض سيطرة مشروع محمد علي على شرق المتوسط، وإجباره على الانسحاب من سوريا. رأس الجسر، هكذا وصف المفكر المصري جمال حمدان (إسرائيل)، ولتفهم العقلية الأوروبية تجاه إسرائيل يتوجب معرفة الرأس الآخر للجسر، أو رؤوسه بين لندن وباريس وبرلين وواشنطن، بوصف الأخيرة امتداداً لمركزية أوروبا.

أتى مشروع (إسرائيل) سابقاً على ظهور النفط في المنطقة، وأخذ يكتسب أهمية كبرى بعد النفط، ويتحول إلى ذلك الاستثمار الأمريكي الهائل، وأخذت ضمانة التفوق الإسرائيلي تشكل أولوية قصوى في الغرب، فما الذي يعنيه غياب (إسرائيل)؟ قبل أن يعني ذلك فشلاً للمشروع وضياعاً لاستثمارات كبرى، فهو يعني إلى حد بعيد، وجود كتلة عربية استطاعت أن تزيح (إسرائيل) من فضائها الحيوي، بما يعني أن هذه الكتلة امتلكت ذاتياً معطيات يمكن أن تهدد المعادلة الأوروبية التي تضمن تواصل السيطرة على الموارد وتدفقها إلى القارة الأوروبية بصورة متواصلة، وهذا سيناريو يعيد التاريخ إلى مرحلة يحاول الأوروبيون تجاوزها ونسيانها، وتهجير اليهود من أرضهم أتى بوصفه جزءا من خطة كبيرة للتخلص من العصور الوسطى وأشباحها، التي يشكل المماليك والعثمانيون وقبلهم العرب والأمازيغ قوام التهديدات والكوابيس التي لحقت بالشخصية الأوروبية. جزء من الفرضية الأساسية لدولة (إسرائيل) في المخيلة الغربية، تعبيرها عن نموذج متفوق و(قدوة) متحضرة في منطقة ينظر لها الأوروبيون بوصفها أدنى تحضراً، وهو ما تهدده النزعة الحالية ليهودية الدولة واستدعاء التاريخ القديم في خطابها الرسمي، بما يحرض في المقابل، على استدعاء خطاب قديم في المنطقة العربية ككل، خطاب يمكن أن يوحد أوروبا أمام الخطر بشكل عام، ولكنه لا يضمن ألا يشكل أيضاً نواة لمرحلة مقبلة تعود المنطقة تهديداً لشخصية أوروبا وأمنها، وأوروبا المنهكة سكانياً تواجه من جديد مجتمعات شابة تتعمق لديها العدمية، بمعنى الرغبة في الانعتاق من المعادلة القائمة على السيطرة الأوروبية التي تحولها (إسرائيل) إلى مهانة وجودية متواصلة بخطاب توراتي تعبوي، يركز على تعبيرات الإفناء ويترافق مع الاستعلاء، بينما كانت تفترض الخطة الأصلية أن تبقى (إسرائيل) نموذجاً ديمقراطياً علمانياً، يحمل القيم الحداثية، بحيث يشكل ذلك أداة للتأنيب الذاتي العربي، وحالة متواصلة من إدانة الذات والتهوين من شأنها. عند هذه النقطة تبدأ (إسرائيل) في التحول إلى عبء على الأوروبيين وحساباتهم الاستراتيجية المعلنة (مشاريع حداثية كبرى قائمة على إدارة التدفق لمصلحتهم) والمضمرة (تراكمات تاريخية مليئة بأصوات الجنود في البندقية والقدس على هوامش الحروب الإفرنجية/ الصليبية)، وبذلك يمكن أن تفقد (إسرائيل) أهميتها بالنسبة للأوروبيين والأمريكيين، ولكنه لا يعني بالضرورة، وللأسف، أن يمتلك العرب بوصفهم الكتلة التاريخية والحضارية المسيطرة على المنطقة أي قوة دافعة تدفعهم للتأثير في العالم، وأقصى ما يمكن أن تحققه هذه الحالة خارج حراك عربي حقيقي، هو وجود بديل آخر، واستثمار جديد، الهند أو تركيا أو إيران، فالترتيبات القائمة في هذه البلدان ليست مؤبدة، ولكنها تخدم المشهد العام والمصالح الراهنة، ويمكن أن تشكل وجهةً للاستثمار، إذا كانت ستضمن الغاية الأساسية من تحييد المنطقة، التي يمكن أن تعتبر الوحيدة التي تشكل تهديداً فعلياً لأوروبا، لأن المغول أنفسهم استطاعت الحضارة المتعددة للمسلمين العرب أن تستوعبهم وتعيد إنتاجهم من جديد.

تبدو (إسرائيل) مشروعاً آيلاً للسقوط مع الوقت، وفي المدى التاريخي الواسع تعيش مرحلة التقويض، التي ربما تمتد لعقود من الزمن، ولكن ما هو البديل وأين سيبدأ الاستثمار الجديد، وكيف يمكن أن تتجاوز المنطقة العربية قدرها في إدارة التحييد على المستوى العالمي، فذلك سؤال منفصل، لأن غياب (إسرائيل) لأسباب ذاتية وبراغماتية لا يعني بالضرورة تشكل واقع عربي جديد، ولا يعني القدرة على المبادرة، وربما ينحصر الأمر كله في استعادة العيش نفسه تحت التهديد والتشتت مع قوى فاعلة أخرى.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...