يعيش حزب التجمع الوطني للأحرار على وقع سلسلة من الاستقالات المتزامنة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، آخرها وفق ما أكدته مصادر من الحزب، استقالة المنسق الإقليمي للحزب بإقليم بركان محمد قنطاري من مهامه التنظيمية بعد ساعات من إعلان عمدة الرباط فتيحة المودني وعدد من المنتخبين والقيادات المحلية بمقاطعة السويسي اعتزالهم العمل السياسي والانتخابي من داخل الحزب.
ولم تكن الساعات الفاصلة بين الحدثين كافية لامتصاص الصدمة، ففي الوقت الذي كانت فيه أروقة الحزب لا تزال تتداول تفاصيل البيان الصادر عن قيادات الرباط، جاء خبر بركان ليُضيف طبقة جديدة من الأسئلة فوق طبقة لم تجد جوابا بعد، فساعات قليلة هذا كل ما فصل بين اعتزال عمدة العاصمة ومجموعة من أبرز وجوه مقاطعة السويسي وبين استقالة المنسق الإقليمي للحزب في بركان وهو توقيت لا يقبل الصدفة تفسيرا وحيدا له.
الرباط تُطلق الشرارة
بدأت القصة من العاصمة، بعدما أعلنت فتيحة المودني، عمدة الرباط، رفقة عادل الأتراسي رئيس مجلس مقاطعة السويسي، وعدد من المنتخبين والمسؤولين المحليين اعتزالهم النهائي والرسمي العمل السياسي والانتخابي من داخل التجمع الوطني للأحرار، فيما لم يكن البيان صرخة غضب ولم يكن اتهاما مباشرا، بل كان أدقّ من ذلك وأشدّ وطأة بجمل موزونة تقول كل شيء دون أن تذكر شيئا بالاسم.
وتحدّث الموقّعون عن “نقاش مستفيض ودراسة متأنية وتقييم موضوعي لسنوات من النضال”، وعن “اعتبارات موضوعية” سبق عرضها على الأمانة الحزبية وعن ظروف “لم تعد تسمح” بمواصلة العمل بالصورة المناسبة، وفي قاموس العمل الحزبي المغربي هذه اللغة لها ترجمة واحدة هي أنه ثمة خلاف عميق، وثمة قرار بإغلاق الباب بهدوء، وهو تماما ما أكدته مصادر “الصحيفة” في تعليقها على الخبر.
وما زاد الأمر ثقلا هو حجم الأسماء التي وقّعت البيان ومواقعها، فالحديث هنا عن عائشة وعلا نائبة رئيس المقاطعة، جلال الأتراسي نائب الرئيس، إدريس كراكشو رئيس لجنة، سيدي محمد الأتراسي كاتب المجلس، يوسف عاقل رئيس لجنة، الشعيبية الأتراسي نائبة كاتب المجلس هي ليست أسماء من الهامش، بل هي في مجموعها العمود الفقري للبنية التدبيرية التي تُدير الشأن المحلي في المقاطعة يوما بيوم.
تقول مصادر مطّلعة تحدثت لـ”الصحيفة”: “ما جرى في الرباط لم يكن قرارا ارتجاليا فهؤلاء الناس فكّروا طويلا وتشاوروا وانتظروا، والتوقيت كان مقصودا فيما إعلان التزكيات كان القشة التي قصمت الظهر.”
بركان تُكمل المشهد بعد ساعات
لم يهدأ الصدى بعد حين جاء الخبر الثاني حيث وجه محمد قنطاري المنسق الإقليمي للتجمع الوطني للأحرار في إقليم بركان، رسالة استقالته من مهامه التنظيمية إلى قيادة الحزب، مبررا قراره بأسباب وصفها في رسالته بـ”العائلية والشخصية” دون أن يُفصح عن تفاصيل إضافية.
في الشكل، الاستقالتان مختلفتان واحدة جماعية وسياسية الطابع، وأخرى فردية ومُغلفَّة بالخصوصية، لكن في الجوهر والأهم في التوقيت يصعب قراءتهما بمعزل إحداهما عن الأخرى.
مصدر من داخل التنظيم الإقليمي في بركان، فضّل عدم الكشف عن هويته، قال لـ”الصحيفة” بصراحة لافتة: “قنطاري لم يكن يُخطّط للاستقالة منذ أمد بعيد” حيث رجح أن ما جرى في الرباط صباحا كان حاضرا في الأذهان حين أعلن قراره. سواء كان ذلك مصادفة أم لا إلاّ أن التوقيت وحده يكفي ليطرح أسئلة”.
وأضاف المصدر ذاته: “المفاجأة لم تكن في الاستقالة فقط، بل في أن الرجل كان يمارس مهامه باعتيادية تامة حتى اللحظات الأخيرة ولا أحد في التنظيم الإقليمي كان يتوقع هذا”.
ما الذي لا يُقال في البيانات الرسمية؟
بين “الأسباب العائلية” في بركان و”الاعتبارات الموضوعية” في الرباط، تبقى المسافة بين الكلام والحقيقة واسعة، وتُشير مصادر حزبية متعددة إلى أن مسار “التزكيات الانتخابية” هو المحرّك الخفي لما يجري وإن تفاوتت الأسباب في تفاصيلها من حالة إلى أخرى.
تقول إحدى هذه المصادر، وهي قيادي حزبي رفض الإفصاح عن اسمه: “حين يُعلن الحزب عن مرشحيه، يكتشف بعض القيادات المحلية أنهم خارج الحسابات أو في مراتب أدنى مما توقّعوا وبدلا من خوض معارك داخلية مكلفة يختارون الخروج الهادئ الاستقالة أو الاعتزال يصبحان آنذاك الخيار الأكثر حفاظا على الكرامة”.
ويذهب مصدر آخر أبعد من ذلك: “المشكلة ليست في الأسماء التي تغادر، بل في اللحظة التي تختار فيها المغادرة، فهذا التزامن بين الرباط وبركان في غضون ساعات يُرسل إشارة حتى وإن لم يكن مقصودا مفادها أن ثمة شيئا يتشقق في الداخل”.
“حزب الحكومة” في مواجهة مرآته الداخلية
ما يُضفي على هذه التطورات بُعدا استثنائيا هو أن التجمع الوطني للأحرار لا يخوض انتخابات 2026 من موقع حزب يبحث عن شرعية، بل من موقع الحزب الذي يقود الحكومة منذ 2021 ويتصدّر الأغلبية الحالية، وهذا يعني أن كل استقالة في صفوفه تُقرأ بعين مختلفة، وكل اعتزال يُفسَّر في ضوء أسئلة أكبر هل الحزب في تراجع؟ هل ثمة تصدّع في البنية الداخلية؟ هل المعركة الانتخابية ستُخاض بأقل مما كان مخططا له؟
ويواجه الحزب اليوم معادلة ذات شقّين لا يمكن فصلهما الأول، تدبير التوازنات الداخلية وامتصاص موجة الاستقالات قبل أن تتحول إلى خطاب معارض يُغذّي منافسيه، والثاني، تقديم حصيلة خمس سنوات من التدبير الحكومي والدفاع عنها أمام ناخب بات أكثر مطالبة وأقل قابلية للاقتناع بخطاب الإنجازات وحده.
ويرى منصف الاندلسي الباحث في الشأن السياسي والقانون الدستوري في حديثه لـ “الصحيفة” أن “الحزب الحاكم يدخل الانتخابات وهو يحمل ثقل السلطة وامتيازاتها، لكنه يحمل معها أيضا ثقل التوقعات غير المحققة وخيبات الأمل المتراكمة”.
واعتبر المتحدث، أنه حين تبدأ القيادات المحلية في الخروج قبل المعركة، فهذا يعني أن بعضهم لا يريد أن يكون في الواجهة حين تأتي الأسئلة الصعبة.”
وأضاف الخبير في حديثه لـ “الصحيفة”: ربما لن تُغيّر استقالة بركان واعتزال الرباط مسار الحزب بشكل جذري وربما ستتجاوزهما قيادته بإجراءات تنظيمية هادئة كما يحدث في كل موسم انتخابي لكن ما لا يمكن تجاوزه هو أن ساعات قليلة كانت كافية لتكشف عن حجم التوتر المتراكم تحت السطح، وعن هشاشة التوازنات الداخلية في لحظة تتطلب أكثر من أي وقت مضى تماسكا وانسجاما وإرادة مشتركة.
وشدد على أنه في السياسة المغربية، الصمت أحيانا أعلى من الكلام والاستقالة الهادئة أحيانا أكثر صخبا من خطاب المواجهة فيما ما جرى بين الرباط وبركان، في غضون ساعات معدودة كان رسالة وجّهها ناسها إلى من يعنيهم الأمر حتى وإن اختاروا صياغتها بأكثر الكلمات هدوءا.
المصدر: الصحيفة





