ماذا عن رمضان الذي تغاث الأمة فيه؟!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.محمد ثابت
كاتب مصري

 

 

 

قبل أول أيام شهر رمضان المعظم منذ ثماني سنوات كانت الأماني حاضرة بقوة تملأ القلب أكثر بمراحل مما هي عليه الآن، كتب صاحب هذه الكلمات مقالاً في موقع إلكتروني ـ تم حجبه منذ فترة قليلة ـ متمنيًا على الجماعة أن تكون الأحرص والأكثر تضحية وتفهمًا للمخاطر التي تحيط الأمة وقلبها ـ الذي نأمل أن يظل نابضًا ـ مصر، وبيِّنا فيه أن النائم في حراسة اليقظان، والمجنون في ذمة العاقل، والغافل في صحبة الواعي، وتأملنا وتمنينا أن تبادر الجماعة بمد يد الصلح والسلم مع النظام وتفويت فرصة مشروعيته التي طالما تغنى أنه يستمدها من حربها، هالنا وقتها حجم التعقيبات والتعليقات على المقال في إحدى وسائل التواصل إذ تعدت المائة والأربعين، كاد الجميع يتفقون على أنه لا مفر ولا وسيلة من المواصلة والاستمرار على نهج مقاطعة النظام المصري والضغط عليه وإحراجه ومحاولة إيلامه أكثر أمام العالم كله، وأذكر أن تعليقًا ذكرني بما أملاه الأكاديمي محمد سليم العوا فور أحداث يوليو/تموز 2013م من أنه لا تفاوض ولا تفاهم حتى عودة الشرعية والرئيس المنتخب وما شابه.

اضطررتُ لابتلاع المعاني “الأضخم” من الكلمات بمرارة فائقة، فإذا كان مؤسس الجماعة نفسها الراحل حسن البنا جاء بها للوجود وحاول تقنين توجهاتها وحلم بتغيير العالم بها، إذا كان البنا نفسه راجع نفسه في أيامه الأخيرة وأقر أنه لم ينجح في تربية أتباعه على النحو الكافي، وتمنى لو استطاع أن يهجر العالم مع مائة شاب يربيهم في المسجد فلا يخرج بهم؛ فكيف بالذين لم يراجعوا أفكار البنا كلها، ولم يُقرّوا له بالتغيير الأهم الأخير فضلًا عن مجرد التفكير في تطوير ما وضعه الرجل وتحديثه ليواكب أجيالًا أتت بعده ومستحدثات حياة لم يعشها وبالتالي لم تكن لتخطر له على بال؛ ولكن هل كان البنا يتخيل وهو يضع لبنة أسس لجماعة تحارب الاحتلال وتسعى لإضاءة عقول الشعوب العربية الإسلامية أن يصطدم أعضاؤها في بلد المنشأ مصر بثلاثة أنظمة حاكمة بداية من الملك فاروق ومرورًا بعبد الناصر نهاية بالجنرال الذي يحكم اليوم؟
وقد حاول البنا جاهدًا نزع فتيل الصدام الأول وأقرَّ أن عدم تربية أتباعه قاده إليه، كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر موضع سر الجماعة قبل أن يصعد للحكم، وفي الأمر تفاصيل كثيرة أدق وأكثر مرارة، واستطاع في النهاية أن ينقلب عليها ويضع الآلاف في السجون ويُعدم بعضا من أبرز مَن كان يعدهم بالوفاء، وبعد نيف وستين عاما يأتي مُشابه له ولإحسان الجماعة الشديد إليه ليضعها في المأزق والركن من جديد فضلًا عن أنه يكاد يفنيها هذه المرة بل يعرض مصر كلها للخطر الشديد.

المصلحون في الأرض

إن المصلحين يمثلون ملح الأرض ونكهتها وأفضل ما فيها، فماذا حينما يتخلى بعض النافذين فيهم ـ على الأقل ـ عن دورهم ويتفرغون للمزيد من المصالح الخاصة وإراحة الأبناء والأحفاد بكنز الأموال والإقامة في أفخم الديار في الغربة؟ تاركين أصحابًا ورفاق درب خلف الأسوار وآخرين يعانون مرارة الإصابة والفاقة وأهل لا يجدون ما يسد الرمق؛ وإن العقل ليحار وإلا فكيف استطاع الجنرال وأتباعه التفرد بحكم بلد كمصر واستنزاف خيراتها على نحو نادر تاريخيًا؟
وكيف في المقابل تولت المعارضة خاصة في المنافي فئات اختلفت واتفقت في قدرتها على تفضيل الذات وإنكار أنها تملك تغييرا أو مجرد حل؟ وإلا فلماذا يبقون في أماكنهم إذن؟ ومنذ متى اجتمعت على مصر الآفات جميعها بين طرفين نافذين لا يراعيان ضميرا ولا ربا؟
إن الجماعة طالما اعترفت أن نظام الجنرال طلب مصالحتها ـ أو أيًا ما كان المسمى ـ في الفترة من 2014 حتى 2016م ولطالما رفضت الأمر، كان هذا ربما لعدم اكتمال النظام لأدوات تملكه من الحكم خاصة أن المؤشرات تدل على أنه كان أقل إفسادا لمقدرات مصر، وكان النظام يطلب المصالحة أو ما شابه ربما لإشهاد العالم أن العيب ليس فيه في المقام الأول وبالتالي اتخاذه رفض الجماعة “شماعة” لاستمراره على المنوال الباطش نفسه بالحريات والحياة السياسية، ولكن النظام نفسه يغلق الباب الآن تماما أمام أي محاولة لمجرد التقارب مع مخالفيه، وقد كان يطلب قربهم رغم قولهم السابق أن المعركة “صفرية” معه.

غياهب السجون

إننا نادينا وبحت أصواتنا وجفت أحبار كلماتنا بضرورة مراجعة النفس، فقيل لنا إن الجماعة ستنشق بهذا، فدفعة الشحن للصف كانت كافية لإقناعه أن النظام هو الذي سيتراجع لا الجماعة، فلما أفاق بعض الجمع في نهاية 2021م تبين أن الأمر كان مغالطة في سلسلة طويلة مشابه متواصلة أدت لهذا المصير المذهل لكل ذي عينين وروح وبينهما ضمير، والأكثر إذهالًا ألَّا أحد يتوقف ليسأل نفسه: أين الخلل؟ وكيف وصلنا لهذا الحال؟
إننا لن نتقدم قيد أنملة إذا ظننا أننا نصوم وأهلنا في غزة لن يجدوا ما يفطرون عليه في رمضان ـ أيضًا ـ، والمصريون الأسرى يقبعون في غياهب السجون بعشرات الآلاف، وتتدهور الأحوال جميعها في مصر فيما أهل الخير محجوبون عنها ـ إلا اليسير ـ، وإن الحال لن يتقدم في الأمة إذا صمنا عن الطعام وبقينا على عهدنا من الصيام عن التفكير الجيد فيما يفك أسر مصر ومن ثم الأمة خاصة غزة، ولكم تمنينا من قبل أن تقوم الجماعة في المنافي بمجرد عصف فكري للصف بحثًا عن حلول مخالفة للحل الذي يتبناه قادتها وأوصلنا لهذا المنزلق، وإن الحلول لموجودة ولكن أين المرحب بها المتيح لها فرصة الانبعاث من صدور الرجال لا معاقبة مَنْ تسول له نفسه مجرد الاعتراض؟!

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...