أعمال السحر والشعوذة في العشر الأواخر من رمضان: بداية الانقراض
د. خالد التوزاني: باحث أكاديمي في قضايا التراث والهوية المغربية
من الظواهر الغريبة والشاذة في المجتمع المغربي هو إقبال فئة من المغاربة على أعمال السحر الشعوذة في العشر الأواخر من رمضان، حيث تعتقد هذه الفئة أن الجن والشياطين يتم إطلاق سراحهم بعد ليلة القدر، ولأن ليلة القدر تكون في العشر الأواخر من رمضان، فهي ليلة غير معروفة على وجه التحديد، ولذلك تقوم هذه الفئة بإطلاق أنواع معينة من البخور في العشر الأواخر بنية طرد الشياطين.. وهناك فئة أخرى تستغل هذا المعتقد في ترويج الخرافة واستغلال حاجة الناس للعلاج أو قضاء بعض المآرب وتحقيق الأمنيات.. ودفعهم للإقبال على هذه الأعمال بحجة أنها تكون فعالة ومضمونة النتائج في العشر الأواخر من رمضان.
وهنا نكون أمام ظاهرتين؛ الأولى هي أعمال السحر والشعوذة التي لا تنتشر في المغرب فقط ولكن في معظم دول العالم، وتنشط في العام كله، ويزيد نشاطها في المواسم الدينية، بسبب الاستعداد النفسي عند كثير من الفئات لتقبّل هذه الممارسات. وهذه ظاهرة لم تعد واسعة الانتشار في المغرب، بسبب تزايد الوعي وانتشار التعليم وانخفاض نسبة الجهل والأمية وبزوغ مجتمع المعرفة، حيث نما الوعي بأهمية التفكير العقلاني والمنطقي وانتشر صوت العلماء والوعاظ من خلال وسائل الإعلام الرسمية ومواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك لم يعد الاعتقاد في الخرافة سائداً بالشكل الذي كان عليه في فترة الاستعمار الفرنسي وبداية الاستقلال، أي أن المستعمر كان يُنمّي الخرافة في المجتمع المغربي لضمان سيطرته على البلد، إذ الجاهل تسهل قيادته عكس المتعلم فهو يستخدم العقل ويؤمن بالعلم والمعرفة.
والظاهرة الثانية هي استمرار عادة إطلاق البخور وتعطير البيوت بالروائح الطيبة فرحاً واستبشاراً بالعشر الأواخر من رمضان، حيث تكون أيضاً طقوس الحناء للبنات وارتداء أجمل الثياب والحرص على نظافة المنازل.. وهذه العادة الراقية في المجتمع المغربي لا علاقة لها بالشعوذة أو السحر، وإنما تعود آثارها إلى فترة الأندلس عندما ازدهرت الجماليات والفنون والعلوم بما فيها علم النباتات والطبخ واللباس والتزيين والعطور وأنواع البخور… وبقي أثر هذه العادة إلى اليوم في المناسبات الدينية يطلق المغاربة البخور وخاصة رائحة العود الطيبة أو مزيج من الأنواع مثل “سرغينة” التي تشتهر بها بعض المدن العتيقة مثل فاس ومكناس ومراكش وتطوان ووجدة، وخير مثال على ذلك إحياء أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله ليلة القدر وبثها مباشرة على القنوات التلفزية فيلاحظ المشاهد استخدام البخور لتعطير المكان انسجاماً مع قدسية هذه الليلة وخصوصية المقام السلطاني العالي، وهو الأمر نفسه يراه المغاربة في مناسك الحج والعمرة عندما يتم إطلاق البخور في الحرمين الشريفين مكة والمدينة.. ولذلك ظاهرة إطلاق البخور والعطور الزكية في العشر الأواخر من رمضان لا صلة لها بالسحر والشعوذة، لكن المؤسف هو أن يستغلها البعض؛ سواء بعض التجار والمشعوذين لترويج اعتقادات معينة ومنها السحرـ أو يستغلها البعض الآخر فيصدر أحكاماً تسيء لصورة المغاربة عندما يتهمهم بالدجل والسحر، ولذلك ينبغي التمييز بين الظاهرتين؛ هناك ظاهرة محمودة وأخرى منبوذة. والإنسان العادي الذي لا يعرف تقاليد المغاربة سوف تختلط عليه الظواهر ولا يعرف الحقيقة، ولذلك فإن العادات يتم تمريرها عبر التنشئة الاجتماعية،
وفي المغرب كان دائما ذلك التلاحم بين الفئات الاجتماعية حيث تسوده العادات نفسها، وهو ما يفسر إطلاق البخور في حضرة أمير المؤمنين نصره الله في إحياء ليلة القدر على عادة ملوك المغرب والأسر العريقة وفي ليالي المديح والسماع الصوفي وحتى في المناسبات العائلية..
إن إقدام بعض المغاربة، وهم قلة، على أعمال السحر والشعوذة يقتصر على فئات اجتماعية هشة ومحدودة جداً، ونادراً ما نجد الطبقات الاجتماعية الأخرى تمارس هذه الأعمال، ومما يبين محدوديتها هو انخفاض كبير في عدد التجار الذين يبيعون لوازم الشعوذة من بخور وجلود حيوانات وأنواع من المواد المختلفة والغريبة.. والذين انحصر مكانهم في بعض الأسواق الأسبوعية في القرى والمناطق النائية وفي هوامش المدن، وتنظر إليها الأجيال الجديدة نظرة استغراب وتعجب، لأنها تراها من الماضي الغابر والذي يُناقض قيم العصر كالحداثة والعقلانية والتقدم العلمي.. وما يجعلنا نطرح هذا الموضوع كلما حلت العشر الأواخر من رمضان، هو دخول بعض الأطراف لتشويه صورة المغرب، في الداخل أو الخارج، ودخول أطراف أخرى لترويج الخرافة من أجل استغلال حاجة بعض الفئات الاجتماعية وترويج المغالطات والمخالفات الشرعية وهو ما ينبغي أن تتصدى له الجهات الرسمية عبر مقاربة أمنية زجرية، وعبر تكثيف حملات التوعية والتحسيس.





