ذ.إدريس عدار
يحتاج التحليل والتفكير إلى الشجاعة، مثلما تحتاجها الحرب. شجاعة الانعتاق من هيمنة وسطوة السائد من المفاهيم. ولا يمكن أن يكون شجاعا من ارتهن إلى صناعة مفردات “الجُبن”. والجبان يظهر استبسالا في الدفاع عن الباطل، حتى أن أهل الباطل وأصحابه يستحيون وهو يستمر في ممارسة طغيان من لا يملك قيمة لنفسه. لا تهمه المعلومة بقدر ما يصنع المعلومات وفق الأهداف التي يتصور أنها تخدم رغباته. الشجاعة تقتضي الحفاظ على المعلومة، والبحث عنها، والتدقيق فيها، مع الاحتفاظ بالحق في تأويلها، والتأويل يكون تعسفا إن لم يُبن على قواعد واضحة.
في الضربة الإيرانية لإسرائيل كثر اللغط حدا لا يتصور. انطلق عنوان “المسرحية” بشكل سريع. حتى في المسرح لم يفهموا أن النص متخيل، والمتخيل ليس وهمي. هو واقع آخر. لا يمكن أن يفهم الواقع الآخر من تربى على أن “العدو” أقوى ولا يمكن مواجهته، أو من يتوهم أنه يمكن أن يحميه. عنوان “المسرحية” كان مقصودا حتى يتبين أن هناك اتفاق في مكان ما على موضوع ما من أجل “حفظ ماء الوجه”.
غير أن “المسرحية” لم تجد ناقدا فاحصا. ليبحث عن المشاركين فيها. مسرحية يراد بها ذر الرماد في العيون كما قيل. لكن المسرحية يقدمها ممثلون يلعبون أدوارا، ومن بين التخصصات الموجودة في المسرح “تقنيات الحركة”، حتى تظهر الصفعة الوهمية صفعة حقيقية وغيرها. لماذا لا يكون الموت وهميا في هذه المسرحية؟
مسرحية قوامها قوافل من الشهداء ومن الصف الأول. من غير المنطقي أن يكون كل هذا الذي نشاهد مجرد تمثيلية والقتل يمارس فيها واقعيا. مسرحية تقتضي حصارا طويلا تنعكس نتائجه سلبا على المجتمع. كيف تكون كل هذه التضحيات مجرد مسرحية؟ ومن يراد بالإقناع من هذا الفعل؟ هل الجمهور الي يقتنع بمجرد الجلوس أمام الشاشة ليشاهد قناة أو قنوات دورها التضليل الإعلامي؟ أو يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ليتبن بسرعة هو أيضا عنوان المسرحية؟ أم هي موجهة ضد دول ليس لها مشكل مع الفاعل الأكبر في المسرحية المفترضة بل هي مشرعة الأبواب أمام عساكره وطائراته؟
عنوان المسرحية اصطدم بحجم التصدي للهجوم. ثلاث دول كبيرة وأخرى مجهرية قامت بدور القبة الحديدية للكيان المؤقت بعد أن تبين أن “قبته” مجرد خرافة والترويج لفعاليتها مجرد إشهار للبيع والتسويق. انتهى عنوان المسرحية بعد أن تبين أن التصدي احتاج لكثير من الجهد ولكثير من المنصات لإطلاق الصواريخ المضادة واستعمال طائرات وغيرها. كلفة باهضة. اعترفوا بمليار دولار فقط خسائر القبة الحديدية. ولم يفصحوا عن الباقي. بعض المصادر تقول إن ثمن المسيرات لا يتعدى 10 مليون دولار. ثمن بخس يعني. تصور لو تم إطلاق ألف. لا تتجاوز تكلفتها 100 مليون دولار ستحتاج من الكيان إلى 10 مليار لكن سيستحيل إيقافها بأكملها. تحريك صواريخ اعتراضية من قبل ثلاث دول كبرى وأخرى مجهرية وخسائر مالية كبيرة، من أجل مسرحية ينقذ فيها الإيراني وجهه. أي عبث بالعقل؟
ثم لماذا المسرحية؟ يقتضي أي تحالف أهدافا مشتركة. لنفترض أن هناك تحالفا خفيا بين إيران وأمريكا وإسرائيل؟ ما هو الهدف؟ وضد من؟ يذهب كثيرون إلى أنه ضد العرب. فوق أرض العرب كرها وطواعية عشرات القواعد الأمريكية. بمعنى هي من تحميهم. وأمريكا هي المتحكم في إسرائيل، بل هذه الأخيرة مجرد قاعدة متقدمة لها، ولو أوقفت دعمها ليوم واحد تنهار في وقت وجيز. إذن المعادلة من الصعب أن يقبلها العقل.
بعد أن لم يسعفهم المنطق في تأكيد المسرحية انتقلوا إلى السخرية عبر ما أسموه خردة السلاح. وأن التحالف استطاع إسقاط 99 في المائة من السلاح الهجومي. هذه السردية الهدف منها هو إظهار انتصار “وهمي” إذا تعذر الرد. لقد صورت أمريكا وإسرائيل أن التصدي هو نصر على “العدو”. وبعد أن سقطت كذبة 99 في المائة، خصوصا مع الأجوبة القادمة من الشمال، حيث اقتحمت مسيّرات انقضاضية المجال الجوي وأدت دورها ووصلت إلى أهدافها، رجعوا إلى حكاية أخرى: إيران لا تدافع على فلسطين، والهجوم رد على عملية الاغتيال في قنصلية طهران بدمشق.
صحيح أن إيران أعلنت أن الرد على القصف المذكور. لكن هذا في السبب المباشر. وهو مستوى من مستويات الرد. ضرب أرض إيرانية يقابله ضرب داخل الكيان. لكن هذا لا يعني أن الضربة انتقاما للقصف. لأن استشهاد اللواء زاهدي لم يكن في إطار صراع ثنائي. وهو لم يأت للمنطقة من أجل ذلك ولكن في طريق القدس. وهذا باعتبار العو.
نشرت وكالة الأنباء الفرنسية قصاصة جاء فيها:
اعتبر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هغاري أن قتلى الضربة على القنصلية الإيرانية في دمشق والتي نسبتها طهران إلى إسرائيل، كانوا “ضالعين في الإرهاب ضد إسرائيل”، وذلك في أول تعليق إسرائيلي رسمي على هجوم الأول من أبريل. ردا على سؤال عن الضربة، قال هغاري لصحافيين “بحسب علمي، أولئك الذين قتلوا في دمشق كانوا أعضاء في فيلق القدس. هؤلاء أشخاص كانوا ضالعين في الإرهاب ضد دولة إسرائيل”، مضيفا “من بين هؤلاء العناصر الإرهابيين كان هناك أعضاء في حزب الله ومساعدون إيرانيون. لم يكن هناك أي دبلوماسي هناك وفق علمي. لست على دراية بأي مدني قتل في هذا الهجوم”.
بغض النظر عن تبريرات الناطق باسم جيش العدوان، فإن الصراع مبني على أساس الدفاع عن القدس. وبالتالي فالضربة ليست “مصلحة” إيرانية ولكن خطوة في “طريق القدس”.





