الخليج وإيران.. اختبار جديد لسياسة حسن الجوار

 

 

 

 

 

صالح المطيري
إعلامي كويتي.

 

السؤال الذي ينبغي أن يشغل دول الخليج الآن ليس كيف نرد على إيران، وإنما كيف نبني إستراتيجية خليجية للتعامل معها بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة أن أدوات التواصل وحدها لا تكفي لحماية المصالح الخليجية.

هذه الخلاصة تفرض نفسها بعد سنوات من سياسة خليجية قامت، بدرجات متفاوتة، على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران، والحفاظ على علاقات اقتصادية وتجارية معها، وتفضيل الحوار والوساطة وخفض التوتر على المواجهة.

وظلت بعض العواصم الخليجية تؤدي أدوارا مهمة في نقل الرسائل بين إيران والقوى الدولية، انطلاقا من قناعة مفادها أن الجغرافيا تفرض التعايش، وأن المصالح المشتركة يمكن أن تكون مدخلا إلى قدر من الاستقرار.

لكن التطورات الأخيرة كشفت حدود هذه المقاربة، فقد وصلت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية إلى أراضي دول خليجية، وطالت أهدافا ومنشآت وممرات بحرية، وهو ما جعل السؤال عن جدوى السياسة السابقة سؤالا مشروعا لا يمكن تأجيله.

كان الهجوم الإيراني على قاعدة العديد في قطر عام 2025 لحظة كاشفة على نحو خاص. فقد استهدفت إيران قاعدة تقع داخل الأراضي القطرية، فيما كانت الدوحة من أكثر العواصم الخليجية انفتاحا على الحوار والوساطة، وتحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية مع طهران، وتؤدي أدوارا دبلوماسية في ملفات إقليمية شديدة التعقيد.

وقد أدانت قطر الهجوم باعتباره انتهاكا لسيادتها ومجالها الجوي، مع تأكيدها في الوقت نفسه ضرورة العودة إلى الحوار والدبلوماسية.

ثم جاءت تطورات عام 2026 لتجعل الصورة أكثر وضوحا، ففي يوليو/تموز تعرضت قطر لهجمات إيرانية متكررة، كما طالت الهجمات أراضي الكويت والبحرين والإمارات وسلطنة عمان، وهو ما دفع الدوحة إلى إعلان تضامنها مع الدول المستهدفة والتأكيد على حقها في اتخاذ ما يلزم لحماية سيادتها وأمنها.

هنا يعاد ترتيب الأسئلة.

هل تكفي المصالح الاقتصادية لردع دولة ترى أن أمنها القومي ومشروعها الإقليمي يتحركان وفق حسابات مختلفة؟ وهل يستطيع حجم التبادل التجاري أو العلاقات السياسية أن يتحول إلى ضمانة أمنية؟

التجربة تقول إن العلاقة الاقتصادية تخلق مصالح مشتركة، لكنها لا تلغي الخلافات الإستراتيجية، ولا تمنع الدولة حين تتغير حساباتها العسكرية والأمنية من استخدام القوة ضد جار أو شريك تجاري.

وهنا تظهر المفارقة الخليجية الأهم، دول الخليج ليست في وضع يسمح لها بالانفصال عن إيران جغرافيا أو اقتصاديا.

الخليج واحد، والممرات البحرية واحدة، وأمن الطاقة والتجارة وحركة السفن والمنشآت النفطية مترابطة. لذلك فإن القطيعة الكاملة مع إيران ليست إستراتيجية واقعية، كما أن الانفتاح غير المشروط عليها لم يعد كافيا.

المطلوب مساحة ثالثة تقوم على إدارة العلاقة وفق المصالح والقوة في الوقت نفسه.

الحديث عن بدائل النفط والطاقة والأنابيب ومسارات النقل مهم، لكنه لا يقدم حلولا سريعة، إذ يحتاج إلى وقت واستثمارات وحماية. والمشكلة أن إيران، حتى مع تأمين هذه البدائل، قد تملك القدرة على استهداف المنشآت والمسارات الجديدة، لذلك فإن القضية الأهم ليست فتح مضيق هرمز بقدر ما هي ضمان أمن مسارات الطاقة أينما اتجهت.

وتقدم تجارب العراق وسوريا دروسا مهمة في هذا السياق؛ فامتلاك النفوذ الإقليمي لا يعني بالضرورة القدرة على ضبط كل ما يجري داخل البيئات التي يمتد إليها هذا النفوذ.

لذلك تحتاج دول الخليج إلى التفكير في أدوات أوسع من الإجراءات الدفاعية التقليدية، من بينها تطوير فهم أعمق لمراكز القرار الإيرانية، وبناء قنوات تواصل مع دوائرها وشخصياتها المؤثرة، بما يمنح الدبلوماسية الخليجية مساحة أكبر للحركة والتأثير.

نفوذ سياسي مدروس، لا عسكري، يمكن أن يمنح دول الخليج ورقة إضافية في إدارة علاقتها مع إيران، وينقل جزءا من المعركة من حماية الحدود والمنشآت إلى التأثير في البيئة السياسية التي تنتج التهديد.

وهنا قد تكون تجربة سلطنة عمان مفيدة في هذا السياق. فقد بنت مسقط مسارا مختلفا في علاقتها بإيران، وحافظت على قنوات اتصال مفتوحة حتى خلال أكثر المراحل حساسية، وتحولت في مراحل متعددة إلى مساحة للتواصل والوساطة بين إيران والولايات المتحدة.

غير أن تعرض مواقع داخل الأراضي العمانية لاستهدافات في يوليو/تموز 2026 يطرح سؤالا مهما حول حدود قدرة الوساطة وحدها على حماية أصحابها.

المشكلة إذن لا تتعلق فقط بمدى نجاح الدبلوماسية الخليجية، وإنما بطبيعة صناعة القرار في إيران نفسها. فالتعامل مع إيران باعتبارها دولة ذات مركز قرار واحد قد يقود إلى تقديرات ناقصة.

هناك مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية متعددة، وهناك الحرس الثوري، ومؤسسات الدولة، ومراكز القرار المرتبطة بالقيادة، وهناك مصالح متشابكة تجعل الرسالة التي تصل عبر قناة سياسية لا تعني بالضرورة أن المؤسسة العسكرية ستتعامل معها بالطريقة نفسها.

وهذا يفسر جزءا من صعوبة بناء تفاهمات مستقرة، فقد تستطيع دولة خليجية أن تنجح في بناء علاقة جيدة مع الحكومة الإيرانية، ثم تجد أن قرارا عسكريا اتخذ في مؤسسة أخرى لا يأخذ تلك العلاقة في حساباته.

لذلك تحتاج دول الخليج إلى تطوير معرفة أكثر دقة بطريقة صناعة القرار الإيراني، وبنية المؤسسات المؤثرة فيه، وتعدد المصالح داخلها، بدلا من الاكتفاء بالتواصل مع الواجهة السياسية الرسمية.

ومن هنا أيضا تأتي أهمية بناء قنوات متعددة للحوار، فالدبلوماسية الفاعلة لا ينبغي أن تعتمد على قناة واحدة أو شخصية واحدة أو حكومة واحدة، وإنما تحتاج إلى معرفة واسعة بالمؤسسات ومراكز النفوذ والتيارات المؤثرة في صناعة القرار.

وهذا لا يعني التدخل في الشأن الإيراني أو صناعة وكلاء داخله، وإنما يعني امتلاك أدوات معرفة واتصال وتأثير تتناسب مع طبيعة الدولة التي نتعامل معها.

أما السؤال المتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، فيبدو أكثر تعقيدا. هل يمكن لدول الخليج أن توثق علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع إيران إلى درجة تثير قلق واشنطن؟ أم أن عليها إن تحافظ على شراكتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة باعتبارها جزءا أساسيا من منظومة أمنها؟

الإجابة الواقعية لا تتطلب الاختيار بين واشنطن وطهران، مصالح الخليج أوسع من هذا الاختيار الثنائي.

الخليج يحتاج إلى الولايات المتحدة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات، ويحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة علاقة مستقرة مع إيران بحكم الجغرافيا.

المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة مع أحد الطرفين إلى سبب للتوتر مع الطرف الآخر، لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى سياسة خليجية أكثر استقلالا في تعريف المصالح، مع الحفاظ على التحالفات القائمة وعدم تحويلها إلى تبعية سياسية.

وهنا ينبغي إعادة التفكير في معنى الاستقلال الخليجي، الاستقلال لا يعني الانسحاب من التحالفات، كما لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى.

معناه أن تمتلك دول الخليج القدرة على تعريف مصالحها بنفسها، وأن تدخل التحالفات وهي تعرف ما الذي تريده منها، وأن تدير علاقاتها مع الخصوم والأصدقاء وفق حساباتها الخاصة.

وقد يكون الوقت مناسبا للانتقال من سياسة الطمأنة إلى سياسة الردع المتوازن.

المقصود بالردع هنا ليس الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وإنما بناء قدرة تجعل الاعتداء على أي دولة خليجية مكلفا سياسيا وأمنيا وإستراتيجيا، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا.

فالردع والدبلوماسية ليسا خيارين متناقضين، وإنما يمكن أن يعمل كل منهما لحماية الآخر؛ الحوار من دون قوة تحميه قد يتحول إلى مجرد رجاء، والقوة من دون قناة سياسية قد تتحول إلى طريق مفتوح نحو التصعيد.

ومن المهم أيضا أن تنتقل دول مجلس التعاون من إدارة العلاقات مع إيران بصورة يغلب عليها الطابع الثنائي إلى بناء تصور خليجي مشترك؛ تستطيع كل دولة أن تحتفظ بعلاقاتها الخاصة مع طهران، لكن الأمن الخليجي لا يمكن أن يظل مجموعة سياسات وطنية منفصلة.

المطلوب حد أدنى من التنسيق في تعريف الخطوط الحمراء، وحماية المجالين الجوي والبحري، وأمن المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات التجارية، والتعامل مع أي تهديد محتمل باعتباره تهديدا للأمن الإقليمي كله.

وقد كشفت التطورات الأخيرة أهمية هذا التنسيق بصورة عملية، فحين تتعرض دولة خليجية لهجوم، فإن آثار الهجوم لا تتوقف عند حدودها السياسية.

الصاروخ الذي يستهدف منشأة نفطية يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة، والتهديد الذي يطال ميناء يمكن أن يربك حركة التجارة، والهجوم على سفينة في مضيق هرمز يمكن أن يتحول إلى أزمة دولية تتجاوز الخليج كله. ولذلك فإن الأمن الخليجي ليس مجموع أمن 6 دول، وإنما شبكة واحدة من المصالح والمخاطر.

وهذا ينطبق بصورة خاصة على الطاقة، فالحديث عن خطوط أنابيب جديدة أو موانئ بديلة أو مسارات تصدير مختلفة ضروري، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وهم بأن المشكلة يمكن حلها هندسيا فقط.

البدائل تحتاج إلى سنوات واستثمارات وحماية، وقد تصبح هي نفسها أهدافا إذا بقيت البيئة الأمنية والسياسية على حالها. لذلك يجب أن تكون إستراتيجية الطاقة جزءا من إستراتيجية أمنية أوسع، لا بديلا عنها.

وتقدم التجارب الدولية نماذج يمكن دراستها، خصوصا للدول التي تعيش بجوار قوى إقليمية أكبر منها، وتمكنت من بناء توازنات معقدة تجمع بين المصالح الاقتصادية والتحالفات الأمنية والاتصالات السياسية.

الخليج يستطيع أن يدرس هذه التجارب من دون نسخها؛ لأن خصوصية المنطقة تفرض أدواتها الخاصة، ولأن دول الخليج اليوم تمتلك من الموارد والقدرات والعلاقات الدولية ما يجعلها قادرة على صياغة نموذجها الخاص.

الأهم أن تدرك دول الخليج أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إستراتيجية طويلة المدى تجاه إيران، لا إلى ردود فعل مرتبطة بكل أزمة.

إستراتيجية تقوم على الحوار حين يكون الحوار مفيدا، وعلى حماية السيادة حين تتعرض للخطر، وعلى المصالح الاقتصادية حين تخدم الاستقرار، وعلى الردع حين تفشل الرسائل السياسية، وعلى النفوذ الدبلوماسي حين تكون قنوات التأثير ممكنة.

إيران جار لا يمكن تجاهله، والولايات المتحدة شريك لا يمكن الاستغناء بسهولة عن دوره الأمني، ودول الخليج نفسها أصبحت أكثر قدرة على بناء سياساتها ومصالحها.

المعادلة الجديدة ينبغي أن تنطلق من هذه الحقائق الثلاث، وأن تتعامل معها باعتبارها عناصر في سياسة واحدة، لا خيارات متعارضة.

ما حدث خلال السنوات الأخيرة، وما تكشف بصورة أوضح خلال عام 2026، يكفي لفتح مراجعة خليجية جادة. فالمطلوب الآن ليس التخلي عن الحوار مع إيران، وإنما إعادة تعريف شروطه وحدوده، وليس التخلي عن التحالف مع الولايات المتحدة، وإنما إعادة تعريف حدوده ومصالحه، وليس الدخول في سباق مواجهة، وإنما بناء قدرة خليجية تجعل الأمن الخليجي قضية تملك أدواتها الخاصة.

ربما تكمن الإستراتيجية الجديدة هنا: أن تتحدث دول الخليج مع إيران وهي قادرة على الحوار، وأن تتفاوض معها وهي قادرة على حماية نفسها، وأن تعرف كيف تعمل مؤسسات القرار الإيراني ومن يؤثر فيها، وأن تبني لنفسها قنوات سياسية تتجاوز الاتصال الرسمي التقليدي، وأن تحافظ على مصالحها مع الولايات المتحدة من موقع الشراكة، وأن تطور في الوقت نفسه استقلال قرارها الأمني.

هذه المعادلة أصعب من سياسة المحاور، لكنها أكثر واقعية. فالجغرافيا لا تسمح للخليج بأن يختار إيران أو الولايات المتحدة، والمصلحة لا تسمح له بأن يضع أمنه في يد الحوار وحده، والقوة لا تعني بالضرورة الحرب.

ما يحتاجه الخليج هو شيء أكثر تعقيدا ونضجا: سياسة حسن جوار لها أسنان، ودبلوماسية لها أدوات تأثير، وردع لا يغلق باب التفاوض، واستقلال لا يقطع التحالفات.

وهذه، في النهاية، هي المراجعة الحقيقية لسياسة حسن الجوار: ألا تتحول حسن النية إلى نقطة ضعف، وألا يتحول الحوار إلى بديل عن القوة، وألا تتحول القوة إلى بديل عن الحوار.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...