فوضى و ليس اجتهادا أبعاد أهلية الاجتهاد

 

 

 

 

ذ.حفيظ اين احمد
باحث في الفكر الإسلامي
مقيم بفرنسا

 

 

 لعل النظر في قوله تعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) التوبة:122..يعطي ملمحا لهذا الأمر، و يشير إلى بعض الأبعاد المطلوبة لتوفر أهلية الاجتهاد و تكاملها ..!!

النزول إلى الميدان و إبصار الواقع الذي عليه الناس، و معرفة مشكلاتهم و معاناتهم و استطاعاتهم و ما يعرض لهم، و ما هي النصوص التي تنزل على واقعهم، في مرحلة معينة، و ما يؤجل من التكاليف لتوفير الاستطاعة، إنما هو فقه الواقع، و فهم الواقع إلى جانب فقه النص الذي أغفله السيد امحمد جبرون أخيرا، فتأكد لي أن الدكتور السيد امحمد جبرون بضاعته في علوم الشريعة بضاعة مزجاة، و كلامه يمكن أن يترتب عليه مخاطر و إصابات، قد تكون مطلوبة ليأخذ الناس حذرهم، فالسيد المحترم كشف عن خصاصه الكبير في علوم الشريعة، لأن بذل الجهد و الاجتهاد يكون لإقامة الأحكام و التعبد بها في الحياة، و التقرب بها إلى الله، و هذا أمر خطير !!
و نقطة أخرى بيانية: و هي أن الاهتداء إلى ذلك و إلى السبيل الصحيحة لا يتحقق للقاعدين و المنعزلين عن الواقع و الميدان، و إنما يتوفر للعاملين في ميادين الحياة كلها، مصداقا لقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت 69.. أما القعود و الانعزال و الاقتصار على حفظ النصوص و تفسيرها بالفراغ، فلا يمنح فقها و لا يبني مجتمعا !!

و أعتقد أن الذي لا يعرف المعنى الشرعي للولد، و تنقصه المعرفة الأصولية، و لا يدرك حتى معنى النص، فيخلطه بالنص الأدبي، فهذا نقول له : اِسمح لنا، باب الاجتهاد مغلق في وجهك، لانعدام الأهلية و الشروط، و منعا لذريعة الفساد و العبث.. فبدخولك الساحة، فإنها ستصبح فوضى، و يشيع فيها التحريف الجاهِل و الانتحال الباطل و التأويل الغالي !!
و مجال الاجتهاد مثل سائر المجالات، يدخله الغث و السمين، و المؤهل و مدعي التأهيل، لكن الكثير من الاجتهادات سوف تطرد من الساحة و لا يكتب لها الصمود و البقاء و التطبيق لتهافتها و سقوطها .. فوعي الأمة و عصمتها كفيل بإسقاط كل فتوى و اجتهاد لا تصيب الصواب و لا يتحقق صاحبها بالعلم و الصلاح .. و لا تتلقى الأمة إلا عن أهل الثقة و الخبرة، فكم من العبث تاريخيا مورس على الأحكام الإسلامية و لم يكتب له الحياة و الاستمرار .. فالله يحمي دينه و يحفظه، و يهيء من يدفع عنه، و يوفق و يكتب القبول لمن ينصره !!
و للتوضيح أيضا : فلا كهانة دينية عندنا، أو إيكليروس !! فالقضية الاجتهادية قضية علم يحاصر الجهل مهما ادعى الجاهل أنه عالم، لأن المرفوض يحمل عملة مزيفة و لو كانت مشعة براقة، مكنه منها المغرضون من وراء حجاب، لأنها لا تشتري شيئا .. فوعي الأمة كفيل بمحاصرة الخروج و الانحراف .. و التشاور و الحوار و المناقشة و المجادلة بين المتخصصين المجتهدين كفيلة إلى حد بعيد بتصفية الاجتهادات الواهية و المغرضة و المنحازة و المذهبية و الطائفية، و هكذا، سوف لا يمكث في الأرض إلا الصالح الذي ينفع الناس .. !!
و الذين احترفوا كسر الحواجز و توهين القيم و العبث بتراث الأمة، و تحريف الكلم عن مواضعه و التأويل الفاسد، فلم يمنعهم شيء من علم أو دين .. و الواقع شاهد على ذلك، و قد تكون المشكلة أننا نرفض الكهانات في الإسلام، و يمارسها بعضنا عمليا ..

و عندما أقرأ مثل هذه الخرجات المفاجئة، من طرف بعض النخب المحسوبة على الإسلام، و يدافع عن باطله بما هو أبطل منه ليّا بلسانه، و جهلا بالدين، أجد الإسلام أصيب و لا يزال على يد أبنائه المنتسبين إليه أكثر من إصابته من الخارج أو من ( الآخر )، بل لعلنا نحن الذين ساهمنا بسذاجة بتقوية أعداء الإسلام و تقويض الكيان الإسلامي، و حال المخلصين منا شبيه بحال الأم التي تحول بين الطبيب و ابنها المريض حتى لا يتألم من تناول الدواء، فيودي الأمر إلى موته أو استمرار مرضه .. !!
و نكتفي بهذا القدر، و في القلب الكثير ما يقال ..
و الله غالب على أمره . !!

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...