إسناد غزة…الحقيقة وقياس إبليس

 

 

 

 

 

 

نقل رشيد بوطربوش، داعية معروف وسط العدل والإحسان، تدوينة لشخص يبدو أنه من الجماعة، ومن جملة ما نقل عنه أن عبد السلام ياسين، مؤسس الجماعة، كان يدعو مشافهة على الشيعة وألا يجمعهم الله بهم في الدنيا أو الآخرة. لا يمكن التعويل على مثل هاته النقول، التي ليس عليها شهود، ولكن ناقلوها يتبنونها، وفيها تكفير واضح. من يقول مثل هذا الكلام مخروم في عقيدته، لأنه لا يمكن لأحد أن يزعم أنه من أهل الجنة، وأن الآخرين من أهل النار. تدعو ألا تجتمع بهم وما يدريك أنهم من أهل الجنة؟ فهل يوجد عاقل يدعو بالحصول على شيء قابل للاحتمال؟
وقال المنقول عنه (لم أتمكن من الرجوع مباشرة إلى ما كتب) “تسامح الامام المجدد مع الثورة الايرانية في البدايات مثل بعض التسجيلات و كتابات مثل نظرات في الفقه والتاريخ وبعض أعداد مجلة الجماعة… فتغاضى عن الخلافات الجوهرية معهم مدا للجسور ويد الحوار والتقارب…”.
هذه “المسامحة” الإسلامية لم يختص بها مؤسس الجماعة، ولكنها طبعت أغلب الحركات الإسلامية، ليس لأنها كانت تجهل الحقيقة، وهي ما زالت تجهلها، ولكن لأن الدعاية الوهابية بشقيها السروري (نسبة إلى زين العابدين سرور) والحوائية (نسبة إلى سعيد حوى) لم تكن قد فعلت مفاعيلها، ولم تطلق سموم الكذب حينها. تم متى فتح مؤسس الجماعة جسور الحوار؟
وأضاف “لكن في الأواخر كان صارما شديد اللهجة. خطاب يوحي بالقطيعة… الشريط المسجل يقضي بنفي الخيرية فيهم، ونهى الأخوة عن متابعة قناة المنار في عز أداء حزب الله في المقاومة جنوب لبنان…”.
في هذه الفقرة إهانة لأبناء الجماعة، الذين هم كبار وناضجون ولا يمكن أن تطلب منهم عدم مشاهدة قناة، فناهيك عن الاطلاع على أصول كتابة القوم لتقف على الحق من الباطل.
ويشير إلى أن الشيعة ستذوب لما يظهر الإمام المهدي عليه السلام، ناسيا أن عقيدة المهدي لا تقتصر على مذهب أو مدرسة عقائدية، ولكنها شاملة، قائلا “الى ذلك الحين نسالمهم مسالمة حذرة من خنجرهم المتخفي في جيب التقية، المغموس في سموم الحقد المبدئي التاريخي على السنة. المتفاقمة سموم أحقاده مع جرائم أغيلمة ملوك الخليج…لا يرجى منهم خير للأمة الا ما توافق على مضض مع مصالحهم…”.

فقرة صغيرة لكن فيها تحشيد كبير للتشنيعات التاريخية، التي سبقهم إليها زمرة من الكتاب والمؤلفين، ولو رجع إلى مقدمة منهاج السنة، لابن تيمية، الذي هو رد على منهاج الكرامة لابن مطهر الحلي، لوجد ما يشفي غليله من التحشيدات المكذوبة على الشيعة، والمردود عليها في حينه وأغلبها طابعه النقل المغالط. أنظر إليه كيف يتحدث عن التقية، وكأنها الجراب الذي يحوي خنجرا مسموما، بينما يجهل أنها مفهوم فقهي تعني “تكييف الخائف”، وهي تدور مدار الأحكام الخمسة، الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة تم الإباحة بالمعنى الخاص، وتخضع أيضا للإباحة بالمعنى العام بما هي المقابل للإلزام. لا تخرج عن الأحكام إن كان لكاتب الكلام المذكور معرفة بسيطة بالمباني الفقهية للقوم. أنظر في معناها لترى أنها حرام في بعض الأحيان وأنه يتساوى فيها الفعل حسب اختيار المكلف وهو واحد من معاني الإباحة بالمعنى الخاص.
ختم قائلا “سابقة الضربة الايرانية للصهاينة، سبقهم اليها الطاغية صدام. ورفعت هجمة السابع اكتوبر السقف امام تخاذلهم…”.
هذا قياس شبيه بقياس إبليس والعياذ بالله. ضربة صدام جاءت من هزيمة وبعد أن لم يبق عنده ما يخسر، وإلا فإن الحرب الحقيقية قادها ضد إيران بعد الثورة، ولم يكن في جو الثورة الفلسطينية، حتى أنه سلح فصيلا صغيرا منشقا عن الراحل ياسر عرفات استعمله في قمع الثورة الشعبانية، لهذا فإن الإسناد العراقي لغزة هو من باب التكليف الشرعي ولولاه ما كان شيء بحكم هذا التاريخ. كيف تقيس عملا من هذا النوع بعمل له شكل مختلف؟
وما رفعت هجمة السابع أكتوبر السقف إلا بالدعم الإيراني، وهذا تحدث عنه يحيى السنوار، الذي قال في أكثر من مرة، لقد دعمتنا إيران بالمال والسلاح والعتاد والخبرات. لم يعد خافيا أن مصدر هذا “الرفع” هم موضوع القياس المذكور. هذا موضوع يصعب عليكم تجاوزه أو نفيه.
لم يؤد الأول الثمن في طريق فلسطين والقدس ولكن بعد أن اختلف مع دول الخليج حول كلفة الحرب على إيران، بينما هذه الأخيرة لم تؤد الثمن إلا في طريق دعم حركات المقاومة. فقارن قبل قياس إبليس الذي يسقط الناس على مناخيرهم.

قرأت في موقع آخر ما نقله أحد أبناء الجماعة عن مؤسسها: “مسايرة علماء الشيعة للعامة الذين منهم أرزاقُهم وعليهم اعتمادُهم” (كتاب الإحسان الجزء الثاني). وكتبت ردا:
هذا الموقف تدوير مغالط لموقف سابق له في كتاب نظرات في الفقه والتاريخ الذي يجعل فيه الإمامة عند الشيعة مساوية للحكم العاض، مشددا على أنها إنتاج “تحجّرت الذهنية…يقول”، وكأن التشيع ليس مذهبا قائما على الحجة والدليل مثلما السنة والجماعة قائم على الحجة والدليل وكذلك الزيدية والإباضية. غير أن هذا الموقف ليس فيه أي جديد فهو مسبوق إليه من كثير، وإن لم يذكرهم وفي الإحالة شرف المعرفة كما يقال، ولن نذهب بعيدا في التاريخ، فهذا أحمد أمين يذكر الشيء نفسه، وتابعه محب الدين الخطيب بخشونة في اللفظ، وعشرات من علماء الوهابية، وصولا إلى أحد قادة الإخوان المسلمين سعيد حوى في كتابه “الخمينية شدود في العقائد وشذوذ في المواقف”، نشره بنكيران في المغرب إلى جانب كتاب زين العابدين سرور “عودة المجوس”.

وهذا اللمز في الأرزاق عائد إلى مسألة الخمس، وهو أحد الموارد الفقهية عند الجعفرية، كان ينبغي حصر النقاش في وجوبه من عدمه، ليكون النقاش علميا، أما اللمز لا ينفع في مكان لا ينفع فيه سوى الاستدلال. معنى أنه لو لم يبق أتباع يجبى منهم المال لن يبق مذهب. وهنا مكمن السقوط لأن للمذهب مباني لا يمكن أن يسقط دون أن تسقط. كيف تتحدث عن علماء المذهب بهذه الطريقة وتاريخهم يمكن اختزاله في التخفي أو القتل؟ هناك تمثلات خاطئة لقضية المال عند الآخر. فللنال أوجه لجمعها وأوجه لصرفها. كيف ينتفع بالمال مهاجرون في سبيل العلم بل منهم من لم يعد إلى قريته منذ خرج منها (حوالي 70 سنة في حال إسحاق الفياض الأفغاني)؟ المصاديق على الأرض تفيد أن هذا الحكم متهافت وغير واقعي. هذا شيخ الشريعة الأصفهاني وحيد المرجعية وقائد ثورة العشرون العراقية ضد الاحتلال البريطاني، كان مرجعا أوحدا في عصره بمعنى كل مال الخمس تحت تصرفه. يمكن الاطلاع على سيرته المتقشفة جدا. وهذا السيد السيستاني يمكن أن تزور بيته أبسط بعشرات المرات من “البيت” الذي عاش فيه صاحب الكتاب.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...