التطبيع المفزع !!

 

 

 

 

ذ.محمد كريم بوخصاص

 

 

 

أسوأ إحساس هو أن يشعر المرء بالغربة، ويجد نفسه مضطرا للتطبيع مع أشياء غير سويّة. ويصبح الوضع مبعث خطورة كبرى عندما يقتنع أن ثقافة غير صالحة يُرَادُ لها أن تَسُودَ، ثم يتحول إلى كابوس عندما يصبح واقعا لا مفر منه، ويبدأ في التكيّف معه ثم التفاخر به. في تلك اللحظة فقط ينتهي العقل ويتوقف التفكير وتتعطل الحواس.
قديما، قبل ظهور “فايسبوك”، كان الرجل إذا مارس فعلا خادشا أو أتى سلوكا مرفوضا يمر بجانبك مطأطأ الرأس، ويُشعِرك أنه يحمل على ظهره جبلا من الخجل، وتجده يتمنى دوران ساعة الزمن أكثر لينسى الجميع ما فعل، ولكن اليوم تغيرت الأمور. أصبحت للشخص “سنطيحة” أكبر، وقدرة على الاحتفاء بالأخطاء، وجرأة على تقديم الدروس للآخرين، وتقمص دور المصلح وهو أكبر مفسد. بالمقابل، يتعامل الأشخاص المحيطون به ومن يعرفون سِيرته معه كبطل، فيتلقى المجاملات ويزداد الاحترام له !!
نعم، قد يحظى اللص والمفسد والمختلس والراشي والمشهر بمعاملة “النجوم”، ويتم التهافت لالتقاط الصور معهم، ولا يهم إن كانوا في القاع، فهذا الأخير أصبح هو أكبر دليل على النجاح.

لا يقتصر الأمر على مجالات بعينها، فكل من يسبح في القاع يستخلص تذكرة النجومية، ويمكن النظر إلى أبطال تلفزيون الواقع في مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف يتم الاحتفاء بهم حين يخرجون إلى الشارع ويُستدعون لأنشطة مختلفة، والسبب أنهم أصحاب مجدٍ، ومجدهم أنهم يُجِيدون التنمر أو التعري أو استعمال القاموس “الزنقاوي” الذي يحفظه المغاربة عن ظهر قلب ويحظرون استعماله إلا في حالات قصوى. هؤلاء أصبحوا اليوم يشتكون من فرط الإقبال عليهم وصعوبة قضائهم حياة هنيئة، وباتوا يستنجدون بكتب التعامل مع المعجبين ويقرؤون عن حياة المشاهير، بعد أن سئموا من كثرة طلبات التقاط الصور معهم والتغني بهم حين يمرون في الشارع العام، ويدرسون إمكانية استدعاء حراس لمرافقتهم !!
إنها سريالية وجنون ! لكنها الحقيقة؛ حقيقة التطبيع مع الممارسات السّلبية والتفاخر بها، والتي تعتبر درجةً من الإفلاس الفكري والأخلاقي والقيمي. وما يحصل في هذه الولاية التشريعية من متابعات في حق برلمانيين متابعين في قضايا جنائية نموذج حيٌّ، ففي الغرفة الأولى للبرلمان يوجد 24 برلمانيا بين السجون والمحاكم وقضاة التحقيق، لكنهم يتحركون كأنهم الأنظف، ويتم التعامل معهم من طرف زملائهم كما لو كانوا أشخاصا عاديين، ويظل لهم نفس التأثير والإلهام داخل أحزابهم، حتى قام برلمانيون في أبريل 2023 بِزفِّ برلماني بدرجة “وزير سابق” رئيساً للجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، وهو موضوع تحقيقات أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في قضية “تبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والارتشاء” وممنوع من السفر. لم يشعر البرلمانيون الذين فعلوا ذلك بأدنى قدر من الخجل، حتى بعد أن رأوا صاحبهم يساق بعد ذلك بساعات فقط إلى سجن عكاشة.

الازدواجية والفساد هما جزء من الطبيعة البشرية منذ الأزل وتنتشران في جميع المجتمعات، ولكنهما مرفوضان ويجب أن يبقيا في نطاق الممارسات السلبية التي لا يمكن التطبيع معها أو الاحتفاء بأصحابها، لكن في الوقت الحاضر، يمكن للشخص أن يكون غير نزيه ويمنح الميكروفون ليتحدث عن النزاهة، ويمكن أن يعلن عن نفسه بأنه غير شريف ويبصم على ذلك ولكن يُستدعى للحديث عن الشرف ويبلي البلاء الحسن في ذلك، ويمكن أن يكون قد عطل مصلحة من مصالح الوطن لكنه يمنح حق توزيع صكوك الوطنية على من يشاء، فيتعامل معها كمصدر دخل قار !!!
يعيش المغرب شبه ركود على مدى ما يناهز 25 عاما في مجال مكافحة الفساد، إذ لم يُحسن تصنيفه ولم يرتق طيلة هذه المدة إلا بنقطة واحدة، مما يساهم في حرمان ديناميات التنمية من الاستفادة من كامل الإمكانات والطاقات المتاحة في المملكة الشريفة، وفقا للتقرير السنوي للهيئة الوطنية لمكافحة الرشوة الصادر في دجنبر الماضي. ولاشك أن من نتائج ذلك التطبيع مع الفساد والتعامل معه كأنه قاعدة وما عداه نشاز، ومن يَدري قد يصبح الفساد هو الأصل والباقي تقليد !!

جريدة الأيام24


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...