الإنتاج المشترك للأمن

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بلقم: عزيز لعويسي

 

 

 

المديرية العامة للأمن الوطني التي احتفت قبل أسابيع بذكراها الثامنة والستين، بقدر ما نشيد بما حققته خلال العقدين الأخيرين، من قفزات نوعية في سلم الإصلاح والتحديث، في سبيل ضمان الحق في الأمن، وحسن الاستجابة للحاجيات الأمنية للمواطنين، وصون “الرأسمال الأمني”، والتحسين المستمر لمؤشرات الحكامة الأمنية الرشيدة، بقدر ما نرى حسب تقديرنا، أن كسب الرهانات المرتبطة بالأمن بمفهومه الشامل، لابد أن يمر عبر انخراط واع ومسؤول، للمواطنين، فيما تضعه المؤسسة الأمنية من خطط واستراتيجيات أمنية، تروم في مجملها تحصين المكتسبات، ومواصلة مسيرة الإصلاح والتحديث، بما يساعد على مواجهة المستقبل وما يطرحه من تحديات أمنية، بخطوات رصينة، وعيون متبصرة؛

وتوضيحا للرؤية، فالشرطة وحدها، ومهما بلغت من الجاهزية واليقظة والاستعداد والتعبئة، والقدرة على التكيف المستمر، مع متغيرات خريطة الانحراف والإجرام ، فيصعب عليها وحدها، تسجيل الأهداف الأمنية كاملة، في ظل بنية ديموغرافية وسوسيوثقافية واقتصادية متشابكة، باتت تطرح عدة تحديات على الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، ما لم يتحول المواطنون، إلى “شركاء في الأمن”، من منطلق واجبات المواطنة الحقة، وزاوية المسؤولية الفردية والجماعية أمام تحدي الأمن الجماعي؛

في هذا الإطار، ووعيا منها بنجاعة انخراط المواطنين في تحقيق الأمن بمفهومه الواسع، وحرصا منها على ضبط ورصد ما يجري في العالم الافتراضي من محتويات رقمية إجرامية، وما يمكن أن تشكله من مساس بسلامة الأفراد والجماعات، واستثمارا منها ما للحلول الرقمية من أدوار في كبح جماح الجريمة في أبعادها الافتراضية، شرعت المديرية العامة للأمن الوطني خلال مطلع شهر يونيو الجاري، في العمل بالمنصة الرقمية التفاعلية “إبلاغ” المخصصة للتبليغ عن المحتويات غير المشروعة على شبكة الأنترنت، والتي ستسمح لمستخدمي الأنترنت ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، بالتبليغ الفوري والآمن، عن كل “المحتويات الرقمية الإجرامية والعنيفة”، أو “تلك التي تتضمن تحريضا على المساس بسلامة الأفراد والجماعات”، أو “تنطوي على إشادة بالإرهاب والتحريض عليه”، أو “تمس بحقوق وحريات الأطفال القاصرين وغيرهم”؛

وقد أوضحت المؤسسة الأمنية في بلاغها الصادر حول الموضوع بتاريخ 6 يونيو 2024، أن هذه المنصة الرقمية، تسعى إلى “تكريس مرتكزات ومفاهيم أمنية ضرورية، من بينها الإنتاج المشترك للأمن، الذي يجعل من المواطن شريكا في توطيد الأمن في مفهومه الواسع، من خلال التبليغ عن كل التهديدات والمخاطر المحتملة، وتجسيد واجب التحذير الذي يفرض على الجميع الإخطار والتبليغ عن كل الجرائم ومحاولات الجرائم التي تتهدد أمننا الجماعي”؛

وتراهن مصالح الامن الوطني من خلال هذه المنصة، على ” تدعيم الاحساس العام بالأمن وتعزيز التفاعل بين المؤسسة الأمنية ومحيطها المجتمعي، وكذا تطوير آليات عملية وناجعة لمكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة، عبر إشراك المواطنين في تحقيق الأمن الرقمي وصيانة الانترنيت كفضاء آمن وخال من التهديدات والسلوكيات الاجرامية”؛

مبادرة رقمية من هذا القبيل، لا يمكن إلا التنويه بها، لما تجسده من حس إصلاحي وتحديثي، عاكس لمؤسسة أمنية ماضية قدما في اتجاه الانخراط الصامت في صلب التحول الرقمي، خدمة لأهداف ومقاصد “الإنتاج المشترك للأمن” الذي لا يمكن البتة تحقيقه على أرض الواقع، ما لم يحضر ذاك المواطن الواعي والمسؤول، الذي ينتقل من وضعية “المتفرج” و”المطالب بالحق في الأمن”، إلى وضعية “الشريك في إنتاجه وصناعته”؛

وفي هذا الصدد، وفي ظل ما نعيشه من شيوع لثقافة العبث والتهور وانعدام المسؤولية، ومن تراجعات مقلقة في منظومة الأخلاق والقيم، خاصة في أوساط شرائح واسعة من الأجيال الصاعدة، من الصعب التعويل على مبادرات رائدة من هذا القبيل، ما لم يتم الرهان على منظومة التربية والتعليم، في صناعة ما يحتاجه مغرب اليوم من مواطنين، تتوفر فيهم شروط المواطنة الحقة وما يرتبط بها من انضباط والتزام ومسؤولية، قادرين ليس فقط على خدمة الوطن بتضحية ووفاء ونكران للذات، والامتثال لسلطة القانون واحترام المؤسسات، بل والانخراط الإيجابي في كل المبادرات المواطنة الدافعة في اتجاه الإصلاح والتحديث والخلق والابتكار، من قبيل مبادرة منصة “إبلاغ”، التي تتطلع إلى مواطنين شركاء في الأمن، لا يترددون في التبليغ، عن كل المحتويات الرقمية، التي من شأنها المساس بالأمن الجماعي وتهديد سلامة الأفراد والجماعات، والتأثير السلبي على “الرأسمال الأمني الوطني”، الذي يتكرس به ومعه، الإحساس الفردي والجماعي بالأمن، وتتعزز به الثقة في المنظومة الأمنية الوطنية؛

وموازاة مع ضرورات الرهان على الجانب التربوي والتعليمي، يلزم الرهان على الجانب التواصلي، ليس فقط، للتعريف بمنصة “إبلاغ” ووضع المواطنين في صلب الأهداف والمقاصد التي تحكمت في خلقها، والتي تصب جميعها في خانة حـماية الأمن الجماعي وكسب رهان الإنتاج المشترك للأمن، بل وتوعية وتحسيس مستخدمي الأنترنت ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، بأن كل تصرفاتهم وتفاعلاتهم داخل العالم الافتراضي، تبقى تحت مراقبة أجهزة الأمن، و تحت سلطة القانون؛

وفي المجمل، إذا كانت منصة “إبلاغ” تستهدف المحتويات الرقمية الإجرامية في البيئة الافتراضية، فلابد من التفكير في خلق منصة مماثلة، تستهدف “البيئة الواقعية” وما باتت تنتجه من جرائم مكرسة للإحساس الفردي والجماعي بانعدام الأمن، خاصة في التجمعات الحضرية الكبرى، التي باتت تشكل بيئات آمنة للانحراف والجنوح والجريمة، ومنصة تفاعلية تستهدف “جرائم الواقع”، قد تكون خيارا رقميا آخر، دافع في اتجاه انخراط حقيقي للمواطنين، في التبليغ عن الجناة والخارجين عن سلطة القانون، وفي هذا الإطار، ففي حالات كثيرة، يصعب على الشرطة القضائية، فك ألغاز بعض الجرائم الغامضة، أو وضع اليد على الجناة المتورطين فيها، بينما قد تتوفر “المعلومة” لدى “شهود العيان” من المواطنين، إلا أنهم يكتفون بالصمت، إما تخوفا من أي انتفام محتمل في حالة اكتشاف أمر تبليغهم، أو أنهم يفضلون عدم إقحام أنفسهم فيما قد يترتب عن تبليغهم أو شهادتهم، من مساطر وأبحاث قضائية، وهذه الثقافة السائدة، تحول ليس فقط، دون كسب رهان الإنتاج المشترك للأمن، بل وتشجع على توسيع دائرة العبث والتهور والجنوح والإجرام، وتعمق بؤرة الإحساس المجتمعي بانعدام الأمن، وقبل هذا وذاك، تحول دون تحقيق التفاعل المنشود، بين الشرطة ومحيطها المجتمعي؛

وسواء تعلق الأمر بالجرائم التي تنمو في “البيئة الافتراضية” أو تلك التي تحدث في “الواقع”، لابد من تبني سياسة تواصلية متعددة المستويات، من شأنها تحسيس المواطنين بمسؤولياتهم الأمنية، وتوعيتهم بأهمية الانخراط الذي لا محيد عنه في “الإنتاج المشترك للأمن” خدمة لأهداف ومقاصد الأمن الجماعي وتعزيزا لثقافة الإحساس بالأمن، وإسهاما في صون الرأسمال الأمني الوطني، وفي هذا الإطار، فالمسؤولية الأمنية للمجتمع والمؤسسة الأمنيـة على حد سواء، تقتضي انخراطا مواطنا، لكافة الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين والتربويين والإعلاميين، فضلا عن الأفراد والجماعات، في خدمة المسألة الأمنية الوطنية بكل مستوياتها وتجلياتها، مع ضرورة التأكيد، أن وضع المواطنين في صلب الإنتاج المشترك للأمن، يفرض إرادة حقيقية، في تمتيع الشهود والمبلغين بالحماية القانونية اللازمة، بما يحفزهم على التبليغ، والحرص كل الحرص على احترام الحقوق والحريات، وتحييد ما قد يتهدد ذلك، من تضييق أو تحكم أو انتهاك أو شطط أو تجاوز، كما يفرض تعزيز آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة” و”عدم الإفلات من العقاب”، واحترام “سلطة القانون”؛

وفي المجمل، لابد من استحضار أننا نتحمل جميعا كمؤسسات وأفراد وجماعات، مسؤولية الحفاظ على “الرأسمال الأمني الوطني”، الذي يمنح المغرب “التفرد”، في محيط جيوسياسي إقليمي ودولي موسوم بالقلق والترقب والتوتر وعدم الاستقرار، وهذا التفرد، شكل ويشكل، بيئة آمنة ومستقرة، داعمة لما تتطلع إليه المملكة، من تنمية اقتصادية واجتماعية وبشرية، ومن سياسة خارجية متبصرة، دافعة في اتجاه صون الوحدة الترابية، وخدمة المصالح العليا للوطن وقضاياه الاستراتيجية، عسى أن نتحلى جميعا كدولة ومؤسسات وأفراد وجماعات، بما تقتضيه المواطنة الحقة، من نزاهة واستقامة وتضحية ووفاء وإخلاص ونكران للذات، بما يدفع في اتجاه تعزيز أسس ومرتكزات دولة الحق والقانون والمؤسسات والمساوا ة والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتعبيد الطريق لكسب رهانات النهضة التنموية الشاملة، التي يقودها عاهل البلاد، بصمت وحكمة وتبصر؛

وفي خاتمة المقال، نؤكد حسب تقديرنا، أن مفهوم “الإنتاج المشترك للأمن”، لا يمكن البتة مقاربته، أو محاولة تجسيده على أرض الواقع، إلا في ظل منظومة مجتمعية، يحضر فيها “التعليم الناجع والفعال”و”التنمية الشاملة” و”العدالة المجالية” و”المساواة أمام القانون” و”رعاية الحقوق والحريات” و”التصدي للفاسدين” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وفي كنف مجتمع مدني، يتحمل مسؤولياته المواطنة في التربية والتكوين والتأطير و بناء القيم وصون الأخلاق …

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...