لقد ظلت “متون العلم” “ونظوم المعرفة” عُمَدًا علمية مرجعية في الأمة تشكل إطارات إستنادية في بيان العلم وبلاغ المعرفة والتزكية والتربية على قيم الشريعة وأحكامها في العقيدة والفقه بعباداته ومعاملاته وفي السلوك والأخلاق، ظل ذلك وامتد في الأمة خيارا منهاجيا في ضبط “العلم والمعرفة” وتسديدا لهما من حيث القضايا والمضامين العلمية، ومن حيث المطالب الأولوية والمباني التدريجية والترشيدية في الحيازة والتحصيل… وقد أثبتت الخبرة التاريخية -من جملة العمل العلمي التاريخي- قوة هذا الاختيار وسداده وحكمته العلمية العملية، رغم عارضات وجودية في التاريخ ألحقت الضرر بمنظومة العلم والمعرفة لأسباب وعلل لا نروم الخوض فيها الآن…
الشاهد من القول أن العلماء والأئمة الجلة في تاريخ الأمة عكفوا على الاشتغال العلمي على هذه “المتون والنظوم” تدريسا وشرحا وتحشية وتقريرا لما فيها من العلوم والمعارف المُمَتَّنَة والمنظمة،ولم يمنعهم ذلك من الاستدراك والتعقب والتقييد والنقض، من غير أن يعتبروا انطلاقهم من هذه “المتون” و”النظوم” واعتمادهم عليها مرجعا وموضوعا ماسا باستقلالهم العلمي أو حريتهم في البيان الديني والبلاغ العلمي خارج “المتن” أو”النظم”…
يصح القول: إن هؤلاء العلماء والأئمة لم يكونوا سواء مُثَلاء بالنظر إلى طبيعة الصلة بهذه “المتون والنظوم”، إذ كان فيهم العلماء الثقال العدول، حكماء العلم والمعرفة، وكان منهم المقلدة المتعصبون التقريريون بجهالة الحمية المذهبية، كل ذلك كان وكائن في هذا الزمان، لكن المقصود أن هذه “المتون والنظوم” كان لها في تاريخ الأمة قيمة واعتبار وحرمة…
ما صلة هذا الاستحضار التمثيلي، بالجدل حول “مشروع تسديد التبليغ” بما يحويه من “مضامين متنية” مقترحة ومنتظرة يطلب من العالم أو الخطيب أو الواعظ أن يكون وسيط تبليغ لها بالاستثمار والشرح والتحشية والتقرير؟
الصلة واضحة صريحة من خلال بيانات الجهة المختصة في إعداد هذه “المتون النصية”، أقصد المضامين التي يطلب من الخطباء -الذين شُهِدَ لهم بالكفاءة والموثوقية-، تتجلى في اعتبار الخطيب مبلغا مستثمرا شارحا أو محشيا على “متن النص والمضمون”…
أقول بعد طول نظر واعتبار : لو كنت خطيبا، وقد كنت، لما وجدت في نفسي حرجا ولا ضيرا أن أكون “شارحا” أو “محشيا” أو “مقررا” لمضامين متنية في الدين والتدين، ولكن بشرائط:
1) أن تثبت “قيمتها العلمية” وتحوز “الاعتبار” و”الرضا” العلمي من “الوسط العلمي” الشاهد لها بالمتانة والأصالة والموضوعية…
2) أن تكون وافية بأغراض الخطبة ومقاصدها البلاغية والبيانية…
3) ألا تتصف بالإلزام القهري للخطباء لاحتذاء مضمناتها حذو القوة بالقذة، خاصة بعد شهادة الجهة المختصة لهم -في عمومهم- بالكفاءة والموثوقية…
4) أن تكون موصولة بقضايا الأمة وهمومها وآلامها وتطلعاتها، موصولة بالتحديات الجارية المرتبطة بمصائر واقع التدافع بين الحق والباطل، لكون الدين موصولا بذلك في خواصه البلاغية والبيانية والتكليفية، إذ ليس مما يجري على سَنن الدين في التكاليف أن يطلب من العلماء والخطباء والوعاظ -مثلا- أن يكلموا الناس في فضائل “سقي الحجيج وعمارة المسجد الحرام” في ظرف المحنة والشدة على الأمة التي تعمل على إهلاك حرث المسلمين ونسلهم، والمشهودة من البلاء العظيم في غ.زة وفل.س.طين، مما يثير الاستحياء في نفوس المؤمنين الصادقين أن ينصرفوا ويعرضوا عن البيان والبلاغ فيها لغيرها من مطالب العلم والتزكية الجزئية ، ذلكم الالتفات وتلكم العناية بالطارىء الجديد معنى رشيد من الدين والحكمة عَقَلَتْهُ “الجهات المختصة” في بلاء الزلزال الذي نزل ببلادنا والذي أصاب طرفا عزيزا من مغربنا وشعبنا، أَنْشَطَ العلماءَ والخطباء والوعاظ لأداء واجب البيان والبلاغ، لأنه موجب الحال ومقتضى التكليف، أتساءل: لم لا يفعل ذلك بخصوص ما يصيب الأمة من جراح وآلام وما ينزل بها بلاء ومحنة وفتنة كما هو الحال، وما المانع أن ينشط العلماء والخطباء لذلك بالعلم والحكمة، لأنه كذلك من موجبات الحال ومتطلبات التكليف؟ كما أن هناك “زلازل معنوية” تستهدف “أمتنا المغربية الصغيرة” في إطار “الأمة الإسلامية الكبرى الجامعة” في العقيدة والشريعة والقيم والثقافة والإعلام والسياسة والاقتصاد والتربية والتعليم، إذا لم ينشط للبيان والبلاغ فيها أهل العلم والخطابة العدول الثقاة، فمن غيرهم يفعل،﴿وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادࣱ كَبِیرࣱ﴾ [الأنفال ٧٣].
أذكر هذا مع التنبيه إلى الفروق الخاصية والوظيفية بين “الخطبة” و”الدرس العلمي” و”العمل الوعظي”، ذلك لأن الأصل في الخطيب أن يصنع “متنه” المطابق لظرف الخطاب وأحوال المخاطبين ويتكفل بشرح متنه وتقريره، لأنه من حيث الوضع الديني هو “ولي الأمر” في منبره، نائبا عن الشارع نفسه، ما دام أهلا للخطابة وفي محل الثقة، أن يعان في مهامه ويسدد بالتوجيه الحكيم والمناصحة المنصفة العادلة ذلك من الخير لا اعتراض عليه، بخلاف “الدرس العلمي” حيث “المتون والنظوم العلمية المعتمدة” لها اعتبار في التدريس من أجل ضبط العلم وإحكام المعرفة…
الغرض من هذا القول كله بيان الفرق بين الهدهد الطائر بجناحيه قد أتى -من غيبته- سليمانَ بالنبإ اليقين، حيث أحاط بما لم يحط به، وبين الهدهد مُعَطَّلِ الجناحين داخل قفص قد شُيِّدَ له من أجل الإمتاع بالتغريد في حدود جدرانِ بيتِ حابسِ الهدهد …





