بعد مقتل مغربي على يد الشرطة الإيطالية.. الخارجية المغربية تطالب بـ”تحقيق شامل” ومحامية إيطالية من أصل مغربي لـ “الصحيفة”: الساحة السياسية تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن هذه الجريمة

إيطاليا تلغراف متابعة

“لا أستطيع التنفس!”.. لم تكن هذه الكلمات مجرد استغاثة أخيرة لشخص يصارع الموت في أحد شوارع حي “بيلاسترو” بمدينة بولونيا الإيطالية، بل كانت إدانة مدوية لأزمة أعمق تتجاوز حدود الواقعة الميدانية.

عندما فارق عبد الرحيم فقير (43 عاماً) الحياة إثر عملية توقيف استخدمت فيها الشرطة الإيطالية رذاذ الفلفل الحار والتثبيت القسري على الأرض، اشتعل الشارع الإيطالي ومعه منصات التواصل الاجتماعي، لكن السؤال الذي يتردد اليوم لا يقتصر على المسؤولية المباشرة للعناصر الأمنية، بل يتجاوزه إلى المستويات العليا: هل يُعتبر مقتل عبد الرحيم نتيجة غير مباشرة لسياسات الحكومة الإيطالية والخطاب السياسي المتشدد الذي تقوده حكومة جيورجيا ميلوني تجاه المهاجرين؟

تُظهر الوقائع الميدانية للحادثة التي هزت حي “بيلاسترو” أن ما جرى لم يكن مجرد إجراء أمني روتيني، بل سلسلة من القرارات الميدانية المتسرعة التي قادت إلى نهاية مأساوية، حيث بدأت الواقعة، ظهر يوم الأحد 19 يوليوز الجاري، في شارع “سفيفو” عندما مر عبد الرحيم فقير بحالة من التوتر النفسي الشديد والاندفاع داخل مرأب للسيارات، متسبباً في إحداث فوضى واصطدام بسيارة أحد السكان، وهو ما دفع القاطنين للاتصال بشرطة الطوارئ للإبلاغ عن رجل في حالة هلع وغضب.

وعند وصول دورية الشرطة إلى الموقع كان عبد الرحيم لا يزال في حالة هيجان وانفعال وقام بضرب سيارة الدورية، وبدلاً من التعامل مع الموقف كحالة اضطراب صحي ونفسي تستدعي الاستعانة بالطواقم الطبية والمتخصصة، لجأت العناصر الأمنية فوراً إلى أدوات السيطرة القسرية الشديدة عبر رشه بـ “رذاذ الفلفل الحار” مباشرة على وجهه ومجاريه التنفسية، مما شكّل صدمة تنفسية حادة لكونه يعاني من مرض الربو الحاد.

ثم تحرّك شرطيان برفقة شخص مدني للسيطرة عليه وإلقاء وجهه لأسفل على الأسفلت وتثبيته بالقوة مع تقييد يديه بأربطة بلاستيكية، لتؤدي هذه السيطرة القسرية إلى انسداد حاد في المسالك الهوائية.

ورغم صراخه واستغاثته بعبارة “لا أستطيع التنفس!” استمرت عملية التثبيت لعدة دقائق متواصلة حتى توقف نبضه وأُعلنت وفاته فور وصوله للرعاية الطبيّة، مع ملاحظة جروح وإصابات غامضة على مستوى وجهه ورأسه.

وبينما حاول الإعلام المحسوب على اليمين تأطير القضية سريعا ورسم صورة للضحية كـ “مجرم أجنبي له سوابق وفي وضع غير قانوني”، كشفت الحقائق جوانب أخرى أكثر تعقيدا، حيث أكدت محاميته أن عبد الرحيم عاش في إيطاليا منذ طفولته (منذ سن السابعة)، ودرس فيها وتحدث لغتها، وأسس عمله الخاص في مجال النقل والشحن.

ورغم اندماجه الكامل، تعثرت مسيرته الإدارية بفعل صرامة قانون الجنسية والبيروقراطية المعقدة، ليجد نفسه منتظراً لـ “الحماية الإنسانية”، وهو وضع إداري هش يُبقي أبناء المهاجرين أسرى لدوامة تجديد الأوراق ويهدد استقرارهم القانوني والإنساني.

لم تكن الصدمة مقتصرة على تفاصيل المأساة الميدانية، بل تعدتها إلى طبيعة ردود الفعل التي أعقبت الحادثة، إذ كشفت مواقف الأحزاب وموجة من المؤثرين عن انحيازٍ وتضامنٍ أعمى مع الشرطة، وبدلاً من المطالبة بفتح تحقيق جاد حول السبب الحقيقي للوفاة، اتجه الخطاب السياسي المحافظ نحو المطالبة بإقالة رئيس بلدية بولونيا، محملين إياه مسؤولية الاحتجاجات عقب الواقعة، ومختزلين القضية في بعدها الأمني.

وفي محاولة لإدارة الأزمة واحتواء غضب الشارع دون التفريط في قواعدها الانتخابية، خرجت رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني بتصريح رسمي حاولت فيه الإمساك بالعصا من الوسط، حيث قالت “إن ما حدث في بولونيا أمر غير مقبول. فيما يتعلق بوفاة عبد الرحيم فقير، فإنه من الواجب تحديد المسؤوليات المحتملة بأقصى درجات الصرامة. يجب البحث عن الحقيقة حتى النهاية، دون أفكار مسبقة ودون تقديم أي تنازلات لأي طرف. ولكن في الوقت نفسه، لا شيء يمكن أن يبرر العنف الموجه ضد قوات الأمن، إن تغذية مناخ من الكراهية وتجريد مؤسسة كاملة من مؤسسات الدولة من الشرعية هو عمل ينمّ عن عدم مسؤولية جسيم.”

لكن هذه المحاولة سرعان ما افتُضحت بمواقف حلفائها المقربين وممثلي حزبها “إخوة إيطاليا” والخرجات الميدانية الداعمة للشرطة، والتي كشفت أن التصريح كان غطاءً سياسيا لتبرير العنف وتشتيت الانتباه عن أصل المأساة.

ولم تتوقف تداعيات الفاجعة عند حدود الصدمة، بل سرعان ما انفجر الشارع في بولونيا ليتطور الغضب إلى احتجاجات عارمة ومواجهات حادة أسفرت عن حالة من الفوضى والتوتر في شوارع المدينة، حيث خرج الغاضبون والمدافعون عن حقوق الإنسان في تظاهرات أمام مقر المحافظة للتنديد بعنف الشرطة.

هذا الصدام الميداني والفوضى المصاحبة له لقيا استغلالا سريعا من القوى السياسية اليمينية والمؤثرين، الذين سارعوا لتركيز الضوء على أحداث الشغب وتأطيرها كـ “حرب عصابات”، للتغطية على جوهر القضية المتمثل في ظروف التوقيف ومسؤولية الأجهزة الأمنية.

في هذا السياق المشحون، حذرت المحامية الإيطالية من أصل مغربي والمقيمة في فيرونا، رانيا معداني، من الخطاب المؤسساتي المشحون وتأثيره على العدالة.

ورداً على سؤال “الصحيفة الإسبانية” حول ما إذا كان استخدام رذاذ الفلفل والتثبيت القسري ضد شخص يعاني من الربو الحاد يرقَى إلى “القتل غير العمد” أو “الاستخدام المفرط للقوة”، دعت المحامية إلى التمسك بمبدأ التريث والعدالة المجردة، مؤكدة بالقول: “أن نكون متمسكين بالضمانات القانونية يعني أن نكون كذلك دائماً. وهذا يعني عدم إدانة عناصر الشرطة المكتنفين في الحادثة مسبقا، لأن من حقهم هم أيضا الحصول على تحقيق جاد ومستقل ومبني على الأدلة الملموسة.”

وحول المحاولات الإعلامية والسياسية لترويج سوابق الضحية أو وضعه الإداري الهش لتبرير ما حدث له، حذرت معداني من المنزلق الأخلاقي مشيرة بالقول: “إن التمسك بالضمانات القانونية يعني أيضاً عدم محاكمة الضحية لتبرير وفاته بعد وقوعها”.

مضيفة: “نرى ذلك بوضوح في التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، فقبل حتى معرفة نتيجة تشريح الجثة، هناك من يبحث عن مبررات في جنسية الضحية، أو في سوابقه الجنائية المحتملة، أو في وضعه الشخصي، وهذا بالتحديد ما يجب علينا تجنبه.”

وعن تصاعد خطاب الكراهية وتأثير البيئة السياسية الحالية، حللت المحامية رانيا خطورة بناء الروايات المناهضة للمهاجرين قائلة: “بصفتي محامية مغربية وإيطالية، فإن أكثر ما يقلقني هو التدهور التدريجي في الخطاب العام حول الهجرة؛ فالكلمات لها عواقب. عندما يتم لسنوات بناء رواية يُربط فيها الأجنبي بشكل منهجي بالخطر أو الجريمة، فإننا نغامر بخلق فرز في غاية الخطورة بين أشخاص يُعتبرون مستحقين للحماية، وأشخاص آخرين ينتهي الأمر بجزء من الرأي العام إلى اعتبار أي معاملة تُمارس ضدهم أمراً مقبولاً.”

وفيما يتعلق بمدى قدرة المؤسسة القضائية على الصمود أمام الضغوط السياسية، أنهت تصريحها بموقف واثق في دولة القانون أكدت المحامية الإيطالية من أصل مغربي أنه “بالنسبة للقضاء، فأنا أواصل إيلاء ثقتي للمؤسسات واستقلالية العدالة الإيطالية. ولا أعتقد أنه من الصحيح القول، دون وجود عناصر ملموسة، إن الضغط السياسي يمكنه أن يحدد نتيجة التحقيق.”

وأشارت رانيا معداني إلى أن القضاء الإيطالي هو الكفيل بتحديد المسؤولية الجنائية المباشرة للعناصر التي نفذت التوقيف بناءً على نتائج تشريح الجثة، في حين أن الساحة السياسية تتحمل المسؤولية الأخلاقية والمعنوية عن البيئة العامة التي أُنتج فيها هذا العنف.

وشدّدت المحامية الإيطالية من أصل مغربي التأكيد على أن السياسات المتشددة والخطاب الإعلامي المشحون قد لا يدفعان بالضرورة إلى القتل المباشر، لكنهما يشرعنان — عبر السنين — شيطنة المهاجر وتجريده من إنسانيته، مما يجعل أجهزة السيطرة تتعامل معه بشك مسبق، ويجعل جزءاً من المجتمع يتقبل موته بدم بارد، حيث ستظل صرخة عبد الرحيم “لا أستطيع التنفس” إدانة صريحة لمنظومة باتت تستكثر على المهاجر حتى حقه البديهي في الحياة.

في سياق مرتبط، رفعت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، من نبرتها ببلاغ رسمي أكدت من خلاله أنها تتابع “ببالغ الانشغال” الأحداث والوقائع التي أفضت إلى وفاة مواطن مغربي بمدينة بولونيا الإيطالية.

وأوضحت الوزارة أن “السلطات المغربية طلبت من السلطات الإيطالية المختصة الإسراع في إجراء تحقيق شامل لكشف كافة الملابسات المحيطة بهذه الوفاة، وتقديم التوضيحات اللازمة حول هذه الفاجعة، مشددة على ضرورة تحديد المسؤوليات، وضمان تطبيق كامل للإجراءات والتدابير القانونية المطلوبة”.

وأكدت الوزارة أن السلطات المغربية ستواصل متابعة هذا الموضوع عن كثب، في إطار حرصها الدائم على حماية مصالح المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج، مشيرة إلى أن تعليمات صارمة قد أعطيت بهذا الشأن للسفارة والقنصلية العامة المعنيتين، لتتبع تطورات القضية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...