شبح ترامب يقض مضاجع أوروبا!

 

 

 

 

جمال محمد تقي
كاتب عراقي

 

 

 

خبرت أوروبا دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية 2017 ـ 2021، ولم تكن وقتها سعيدة بقراراته، ولا طريقة تعاطيه مع انشغالاتها، وكانت بعض مواقفه محط انتقاد حكومات بلدانها المؤثرة ، كفرنسا، وألمانيا ، وإيطاليا، حتى بريطانيا، الوصيفة التقليدية للسياسات الأمريكية حول العالم ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، وذات العلاقة التاريخية الخاصة ، الأنكلو أمريكية ، لم تخل علاقاتهما من التوترات ، درجة الامتعاض، فتدخلات ترامب وتشجيعه على الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، البريكست، أثار حفيظة الرافضين، وقد وعد ترامب، بوريس جونسون، وقتها باتفاق تجاري حر مع أمريكا يعوضها عن أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي.

التغيرات المناخية

توقيع ترامب على قرار الانسحاب من اتفاقية باريس لمعالجة التغيرات المناخية، أثار ضجة استنكار أوروبية شديدة، ثم قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي المتعدد الأطراف مع إيران، كان قد أحرج الأطراف الأوروبية!
سياسة الفيل المنفرد، التي اتبعها ترامب، في سياسته الخارجية، أربكت نظام العلاقات الغربية وتقاليدها، وعرى تبعية أطرافها، وأخذ هذا الارتباك طريقه المباشر، نحو النظام المؤسسي للعلاقات الأمريكية الأوروبية ليشمل منظمة الناتو، التي تضم 32 دولة من شمال أمريكا وأوروبا، وايضا أزم العلاقة مع مؤسسة الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة أوروبية، ووتر العلاقات التجارية الثنائية والجماعية، بأتباع سياسة حمائية وجمركية تحد من المنافسة الأوروبية ، وتحجم من الاستثمار الأمريكي في أوروبا !
لقد تنفست أوروبا الغربية وكندا الصعداء لعدم فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية، ورحبت من كل جوارحها، بفوز بايدن، فالأخير، نموذج نمطي للرؤساء الأمريكان، الذين لا يحيدون عن حجر الزاوية في قوة الغرب، وتفوقه ، المكرسة، بقوة التحالف الأمريكي الأوروبي، وفعلا جسدت سياسات بايدن هذه الصورة ، التي تبعثرت في عهد ترامب، حيث جعل من شعار أمريكا أولا، هو الخيار النافذ ، وإن كان على حساب الحلفاء ، إنه نموذج مختلف ، ومشاكس، يتعمد التفرد، وله أتباع ومريدون كثر ، من الشعبويين والمحافظين في الداخل الأمريكي !

ترامب يتقدم الصفوف

ما يخشى منه الأوروبيون والكنديون ، والأوكرانيون ، قد يحصل ، فاستطلاعات الرأي تنحاز لترامب ، وبعد محاولة الاغتيال الفاشلة زادت حظوظه وتكتل الجمهوريون حوله ، وهو بلياقة تجعله مؤهلا للمطاولة في ماراثون الرئاسة الطويل ، لأن البقاء فيه يتطلب خبرة وقدرة على الاستعراض ، لسحب الأضواء وإغواء الأصوات، وجاء اختياره للسيناتور الشاب جي دي فانس كنائب له مقلقا لخصومه بحكم شعبيته وحماسته لفكرة أمريكا أولا .
نقاط ضعف الديمقراطيين في أوضاع الشرق الأوسط، وخاصة حرب إسرائيل على غزة، وقبلها جمود الحرب الأوكرانية، برغم مراهنة بايدن وبقوة على نجاح واضح فيها، يحجم روسيا، ويحاجج به المنافسون، فالاستثمار المكلف والذي بلغ نحو 60 مليارا حتى الآن، لم يكن مثمرا، وتحول إلى عبء يستخدم ضده في المناظرات الرئاسية مع منافسه ترامب .

الناتو يخشى المحذور

تصريحات ترامب الأخيرة التي خص به الناتو أثارت موجة كبيرة من ردود الأفعال الغاضبة والقلقة والمنتقدة له ولتصريحاته، ومن أبرز القادة المعنيين، من الأمين العام لحلف الناتو ستولتنبرغ ، إلى ماكرون، وكاميرون ، وجوزيب بوريل، وغيرهم، عكست حجم الخشية التي تتلبس قادة أوروبا وكندا وأوكرانيا!
قال ترامب، إنه لن يرغب في حماية الدول الأعضاء في حلف الناتو من أي هجوم مستقبلي من روسيا إذا تأخرت مساهماتها في الحلف. أعاد وكرر موقفه هذا، وبصيغ مختلفة في أكثر من مناسبة، حيث ردد قائلا: يتعين علينا أن ننهي العملية التي بدأناها في ظل إدارتي لإعادة تقييم هدف الناتو ومهمته بشكل اساسي !
المستشار الالماني أولاف شولتس، الذي كان لتوه بزيارة لوشنطن، للقاء بايدن، ودعمه في مواجهة الضغوط الجمهورية التي يتعرض لها، عقب على تصريحات ترامب قائلا : إنها ، خطرة وغير مسؤولة، ولا تعكس واقع الحال .
ألمانيا هي الأكثر قلقا من بين الكبار في الغرب الأوروبي ، فهي تعتمد في ردعها على الوجود الأمريكي المباشر على أراضيها، نحو 52 ألف عسكري، إضافة إلى أضخم قاعدة جوية أمريكية في أوروبا ، قاعدة رامشتاين، وهناك 20 رأس نووي أمريكية في قاعدة بوشيل الجوية، وحسب قواعد عمل الناتو فإن تكلفة هذا التواجد تتحمله الدولة صاحبة القوات، أي أمريكا، وعليه فهي أكثر وأكبر المعنيين بتلميحات بايدن الأخيرة، لأن ما طرحه ترامب ليس جديدا، ففي أثناء رئاسته الأولى، عمل على تخفيف عديد القوات الأمريكية في ألمانيا ، وكان يشدد على أن تكون نسبة 2 بالمئة من الناتج الوطني الإجمالي هي الحد الأدنى في المخصصات الدفاعية لدول الناتو ، ولكن الجديد توقيت تصريحاته الأخيرة التي تأتي في ظل التعثر الأوكراني في الحرب مع روسيا ، وأزمة تمويل مجهودها الحربي المتعثرة في الكونغرس الأمريكي، ثم تململ بعض الدول الأوروبية من التكلفة الباهظة لمواصلة الحرب الأوكرانية وتداعياتها على اقتصادياتها المنهكة بسبب الانعكاسات السلبية للحصار شبه الكامل على روسيا، وخاصة توفير بدائل خامات الطاقة الروسية !
بريطانيا وفرنسا لديهما قوة الردع النووي، الخاصة بهما، ولن يتأثرا كثيرا، حتى لو جمدت أمريكا عضويتها في الناتو ، لكن المشكلة الحقيقية لدى ألمانيا، ودول البلطيق، والدول الإسكندنافية، وأوكرانيا المتطلعة لفزعة الناتو وحمايته ونيل عضويته، لأن خروج أمريكا من الناتو أو إضعاف مشاركتها فيه، سيربك كل الاستراتيجيات الدفاعية الأوروبية القائمة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، مرورا بالحرب الباردة، وحتى الآن !

ألمانيا والخيارات الصعبة

توحدت ألمانيا ، الشرقية والغربية عام 1990 بعد عقد معاهدة الاستقلال، التي جمعت ممثلي الألمانيتين، والدول الأربع المحتلة لها، الاتحاد السوفييتي وأمريكا وبريطانيا وفرنسا ، وذلك بعد انهيار جدار برلين، وانهيار المعسكر الاشتراكي، انسحب الروس، واستمرت ألمانيا الموحدة كعضوة في المجموعة الأوروبية وكذلك عضويتها في حلف الناتو، بمعنى استمرار الوجود الأمريكي، وتكريسه على أراضيها، وكان الوضع متسقا مع النهج الأمريكي المتطلع للقطبية الواحدة، وهو مستساغ لدى ألمانيا بحكم ضماناته الأمنية غير المكلفة، ما أتاح لها الاستفادة الاقتصادية المتعددة الجوانب والأطراف من الوضع الجديد ، حيث جرى تحول المجموعة الأوروبية الى شكل اتحادي عام 1993، ثم اعتماد عملة أوروبية موحدة عام 1995، وبعد ثبات الاوضاع الجديدة وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة ، خطت ألمانيا باتجاه الاستثمار باتجاه الشرق، فكان خط نورد ستريم 2011 ـ 2012 لنقل الغاز من روسيا الى ألمانيا ، مما وفر لها ميزات اقتصادية متفردة ، لكن الصراع المستجد في أوكرانيا ، خلط الأوراق مجددا، وكانت هي من أكثر المتضررين وعلى اكثر من صعيد !
ألمانيا في مأزق وتجاوزه يتطلب استعدادا لتقليب الخيارات المتاحة والممكنة، أما الدفع باتجاه نظام دفاعي أوروبي وبمظلة نووية ، عمادها فرنسا وبريطانيا، أو تتجه نحو الردع النووي الذاتي، أو تواصل سياسة مسك العصا من الوسط ، بسياسة تخلط بين سد الذرائع الأمريكية بزيادة انفاقها العسكري وتوسعة دورها في حلف الناتو، حتى تتضح مواقف كل الأطراف، بنفس الوقت الذي تضع فيه خططها البديلة !

الاقتصاد الألماني أيضا لا يحتمل المزيد من الهزات ، كالتكلفة الباهضة لتعويض الغاز الروسي، والانكماش الذي ضرب العجلة الاقتصادية ، منذ أيام الكورونا، حتى أزمة أوكرانيا !
ما يحصل في ألمانيا من تفاعلات لها عظيم الأثر على مستقبل الاتحاد الأوروبي، ومستقبل الناتو، وربما مستقبل علاقة الشرق بالغرب، والانكفاء الأمريكي إذا تحقق أوروبيا، على يد ترامب أو غيره ، فإنه سيجعل كل الأبواب مشرعة، إما لتجانس وتفاهم أوروبي، تحديدا ألمانيا مع روسيا، أو صراع قاري جديد يتحول لحرب كونية شاملة !
القلق الأوروبي يتواتر ويخرج من نطاق الهواجس إلى العلن، وهذا ما حاول بايدن ترويضه لصالح حملته الانتخابية أثناء انعقاد قمة الناتو في واشنطن بمناسبة الذكرى 75 لقيام الحلف، مؤكدا على أن إبقاء الدور الأمريكي وترسيخه في عمل الناتو هو حاجة أمن قومي أمريكي ومصلحة حيوية، لكن في قمة المجموعة السياسية الأوروبية التي عقدت في لندن مؤخرا كان شبح ترامب ومواقفه من الناتو والحرب الأوكرانية يخيم على الأجواء ويبعث على اللايقين بين كلمات المجتمعين برغم نفحة التفاؤل المصطنع لرئيس الوزراء البريطاني الجديد كير ستارمر!

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...