ذ.غسان الاستانبولي
كاتب وباحث سياسي سوري
لا يستطيع أحد أن ينكر دور العلاقات الشخصية لرؤساء الدول في تفعيل أو تقليل علاقة دولهم ببعضها البعض، بل كثيراً ما كانت بعض الدول تُنصّب شخصية بعينها كرئيساً لها، كونه قادر بعلاقاته الشخصية على إنهاء نزاعها مع دولة أخرى، ومن هذا المنظار نستطيع أن نرى بوضوح تسارع حراك بعض الدول، بعد انسحاب الرئيس الأميركي جو بايدن من سباق الرئاسة، وبالتالي ارتفاع رصيد المرشح المنافس دولاند ترامب، وهنا سنحاول الإضاءة على أكثر الدول التي كان حراكها ملحوظاً في هذا المجال، كونها ستكون متأثرة ولو بنسبة معينة بشخصية الساكن الجديد للبيت الأبيض.
● قد يستغرب البعض إذا قلنا أن الإدارة الحالية في الولايات المتحدة، ومن يدعمها من أطراف عميقة، هم أكثر المتوترين والمُرتبكين، ولذلك يعملون بسرعة ليبعدوا عن طريق ترامب كلّ الملفات الآيلة للانفـجار، ولعل أخطر هذه الملفات هو انتشار القوات والقواعد الأميركية على أراضي وفي مياه بعض دول منطقة شرق المتوسط، لأن هذه القوات والقواعد ستكون هي الهدف الأول جراء أيّ قرار خاطئ حيال أطراف محور المُقاومة، سواء كان هذا الخطأ هو تجاوز ترامب لحدود دعمه للكيان الصهيـونـي في حربه على غزّة، أو كان الذهاب خلف نتنياهو في عمل عسكري ضد إيران، أو أن يُقدم على تصرفات رعناء كما حدث عام 2018، وربما يكون تكثيف الاجتماعات والمشاورات الأميركية مع العراق، ما هو إلّا تمهيداً لسحب القوات الأميركية منها ومن سوريا، وما سيترتّب على ذلك من ترتيبات أمنية، وهذا الإنسحاب سيعمل على رفع البورصة الانتخابية للمرشح الديمقراطي، وبنفس الوقت سيكون ورقة تُسحب من يد ترامب، وخير دليل على ما أوردناه، هو ما جاء على لسان الرئيس السابق باراك أوباما، في إطار تمجيده لأعمال جو بايدن حيث يقول: “كل ما ناضل من أجله سيكون بخطر إذا سمحنا لترامب بالعودة إلى البيت الأبيض”.
● طبعاً روسيا ستفضّل وصول ترامب للحكم لسببين، أولهما هو أن علاقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليست متوترة، إن لم نقل أنها جيدة، وثانيهما هو أنه لا يؤيد الدعم الغربي لأوكرانيا بحربها مع روسيا، أو أنه على الأقل سيعمل لإيقافها، وهذا بحسب ما ورد على لسانه، ولذلك فروسيا تسابق الزمن لتنفيذ قرار بوتين الذي أعلنه في منتدى بطرسبرغ الاقتصادي الماضي، حيث قال: “إن روسيا مستعدة للردّ على الغرب بتسليح كافة الدول المُعادية لهم”، ومصطلح دول هنا هو مصطلح دبلوماسي لأن المقصود هو الدول والأحزاب والحركات، كذلك إذا أبعدنا الدبلوماسية عن هذا التصريح، فهذا يعني أن التسليح قطع أشواطاً بعيدة، وسيكتمل قبل نهاية مرحلة الرئاسة الأميركية الحالية، وبحسب ما يتسرب من أخبار فإن منظومة دفاع جوي روسية متطورة وصلت إلى إيران بعد أيام قليلة من إغـتيال إسـماعـيل هـنـية، إذاً سيعمل الروس وعلى قدم وساق على إكمال تسليح من يمكن تسليحه من أعداء الولايات المتحدة الأميركية، وسيكون دافع هذه السرعة الروسية هو أن يكون هذا الملف منتهياً قبل وصول ترامب للحكم، وبهذا تتلافى روسيا أيّ إحراج معه، كون التسليح لم يكن في عهده، وبنفس الوقت سيكون هذا الموضوع مريحاً لترامب، وعامل قوة له في الداخل الأميركي، حيث سيظهر بأنه هو من أوقف هذا التسليح الذي بدأ في عهد بايدين.
● تركيا بنظامها الحالي، ورئيسها رجب طيب أردوغان، قد تكون هي أكثر القلقين والمتوترين من احتمال وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وذلك بسبب حالة عدم الودّ بين الرئيسين، وواضحة كانت الطريقة المُهينة التي مارسها ترامب في تعامله مع أردوغان، بدليل الرسالة القاسية التي وجهها له حين كان أردوغان، بصدد شن هجوم بري على الفصائل الكردية في سوريا عام 2019، حيث خاطبه ترامب بالقول :”لا تكن صلباً، لا تكن أحمقاً، لا تريد أن تكون مسؤولاً عن ذبح الآلاف من الناس، ولا أريد أن أكون مسؤولاً عن تدمير الاقتصاد التركي..وسأفعل ذلك”.
بالتأكيد إن فشل حزب العدالة والتنمية في تغيير وجه المنطقة ليكون وجهاً إخوانياً، أدى إلى فشل النظام التركي في إدارة أمور الدولة، وخاصّة في المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، الشيء الذي أدى إلى إنحدار مُريع في القاعدة الشعبية للحزب، وصعود كبير لأحزاب المعارضة، بدليل الانتخابات البلدية الماضية.
هذا عن المشاكل التي افتعلتها سياسة أردوغان بشكل عام، أمّا عن سياسته إزاء سوريا، وما اقترفه بحقّها من أفعال ارتدت إلى تركيا، وساهمت بشكل كبير في تراجع الاقتصاد التركي، وفي إنعدام الأمن الذي سببه صدام الجمهور التركي مع اللاجئين السوريين، ولذلك نرى أردوغان يتوسل لقاء الرئيس السوري بشار الأسد، وبيستجدي المصالحة مع سوريا، لأنه يعتبر أن كلّ ما قام به من مصالحات لا تساوي إلا القليل إذا ما قيست بالمصالحة مع سوريا، وذلك بما تحققه من ضبط الحدود، ولجم الخطر الكردي، وعودة اللاجئين السوريين، الذين سينتهي بعودتهم التوتر الداخلي التركي، وستخفّ كمية كبيرة من الأعباء المادية، مما قد يساعد في إنعاش الاقتصاد التركي، وبالمختصر فإن النجاح بإعادة ترتيب البيت الداخلي التركي يكمن بالمصالحة مع سوريا، وهذا ما يجعل أردوغان يسابق الوقت لإنجازها قبل وصول ترامب إلى السلطة، خشية أن يعمل الأخير على تعطيلها، ما يعني أن يذهب سدى كل ما تمّ بناءه، وبالتالي يصبح الاقتصاد التركي، والوضع الداخلي، ولاحقاً مستقبل أردوغان وحزبه في مهب الريح.
وفي النهاية، فلا أحد يعرف ما تحمله قادمات الأيام، إذ أن العالم كلّه يغلي، والمتغيرات كثيرة وسريعة وواسعة، وقد يكون الوضع الداخلي الأميركي ضمن هذه المتغيرات، وإن غداً لناظره قريب.





