ما وراء الأرض: المقاومة الفلسطينية كحارسة للوحدة الإنسانية والمقدس

 

 

 

 

د.رشيد حميمز
أستاذ جامعي في التعليم العالي
باحث في العلوم الاجتماعية
الرباط

 

 

تتميز أرض غزة وفلسطين بقدسيتها الفريدة في التراث التوحيدي، حيث احتضنت العديد من الأنبياء من نسل إبراهيم الذين دعوا إلى الإيمان بإله واحد. وعلى هذه الأرض أيضًا قام النبي محمد ﷺ برحلته الليلية، الإسراء، من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، وهي رحلة تمت في ليلة واحدة حوالي عام 621م. تمّت هذه الرحلة على ظهر البراق، دابة سماوية، تحت إشراف الملاك جبريل عليه السلام. وفي القدس، قاد النبي ﷺ جميع الأنبياء في صلاة جماعية، ما شكّل بداية معراجه الروحي إلى السماوات. خلال هذا المعراج، التقى النبي ﷺ بأنبياء في سماوات مختلفة وتلقى الوحي الإلهي الذي فرض فيه الصلوات اليومية الخمس. وفي نهاية معراجه، وصل النبي ﷺ إلى قرب من الله لم يصل إليه أي مخلوق آخر. هذا الحدث العظيم للإسراء والمعراج موثق بالتفصيل في القرآن الكريم، في سورة الإسراء، الآية 1، ويدعمه العديد من الأحاديث النبوية.

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الإسراء: 1)

يحمل حدث الإسراء الذي وقع في المسجد الأقصى بالقدس دلالات رمزية عميقة. حيث إن قيادة النبي محمد ﷺ للصلاة، واجتماعه بالأنبياء السابقين، يؤكد أن الإسلام هو المكمل والمرشد للديانات السابقة. هذه الصورة القوية للبشرية الموحدة، التي تصلي خلف النبي ﷺ في صفوف متراصة ومتجهة نحو قبلة واحدة، ترمز إلى السعي الجماعي نحو الحقيقة المطلقة. كما أنها تعبر عن فكرة أن الالتزام بالقيم الكونية هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحضرة الإلهية.

إن الحملة التدميرية ضد فلسطين، التي تقودها تحالفات سياسية تحت ستار ديني (مرفوضة من قبل اليهود والمسيحيين الأصليين)، تهدف إلى القضاء على رمز قوي: الوحدة والاتجاه المشترك للبشرية، كما تم تحديده في العهود التي أُبرمت منذ عهد آدم عليه السلام مع جميع الأنبياء.

إن التظاهرات والانتفاضات المؤيدة لفلسطين، التي تُشاهد في جميع أنحاء العالم، ليست سوى تعبير عن رفض عميق وألم شديد ناتج عن جرح أصلي في مواجهة هذه المحاولة لتدمير وقطع ذلك الرابط العريق. الذين يدعمون هذه الحملة ويشجعونها لم يخونوا فقط هذا الرابط الأساسي، بل انفصلوا أيضًا عن طبيعتهم الفطرية وإنسانيتهم، مما جعلهم خارج نطاق المجتمع البشري وأبعدهم عن رحمة الله.

من هنا، يتضح أن المقاومة الفلسطينية تتجاوز كونها دفاعًا عن قطعة أرض، بل هي نضال يحمل دلالات عميقة لمستقبل البشرية. إنها تجسد معركة من أجل الوحدة الإنسانية، واحترام العهد الإلهي تجاه هدف مشترك، والدفاع عن القيم الكونية، ودور الإسلام كدين أساسي. المقاومة الفلسطينية هي مقاومة للحفاظ على قدسية إنسانيتنا، وللحفاظ على الوعد الإلهي والميثاق الأزلي، ولتحقيق لقاء الرحمة والحق.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...