ذ.يحيى الكبيسي
كاتب عراقي
لم يكن النظام السياسي الذي تشكل على مراحل بين عام 2003 و 2005، نتاجا أمريكيا خالصا كما يتوهم الكثيرون. بل كان نتاج عملية معقدة تورط فيها الأمريكيون بسبب افتقادهم لاستراتيجية العمل في العراق، فقد كانت رؤاهم مبنية على الافتراضات ولم تصمد أمام الوقائع التي واجهوها على الأرض!
إن قراءة مذكرات الفريق الأمريكي الذي كان فاعلا، بشكل أو بآخر، في هذا التشكيل (وزراء وسفراء وقادة عسكريين) تكتشف حجم الورطة الأمريكية في العراق، وتكشف سعيهم المستمر للخروج منها بأقل الخسائر، دون الالتفات لما يمكن أن ينتج عن هذا التنصل مستقبلا.
لعل مقارنة سريعة بين المبادئ التي قام عليها النظام السياسي في العراق في قانون إدارة الدولة (الذي أشرف الأمريكيون على كتابته وصدر 2004) وفي الدستور العراقي الدائم (الذي كتبه العراقيون بتدخل أمريكي أقل بكثير هذه المرة) يوضح حقيقة تسليم الأمريكيين شبه العلني بأنهم قد فشلوا في العراق، وأن علاقات القوة بين القوى العراقية هي التي فرضت نفسها في النهاية!
لقد عمد الأمريكيون في قانون إدارة الدولة إلى تبني مبادئ ما يعرف في العلوم السياسي بالديمقراطية التوافقية، بوصفها النظام الأفضل لإدارة الحكم في الدول التعددية والتي تشهد انقسامات سياسية وثقافية واجتماعية واضحة. وكان مجلس الحكم الذي أعلن عنه في تموز 2003، الخطوة الأولى في هذا السياق؛ فقد حرص الأمريكيون، وبالضد من اعتراضات الفاعلين السياسيين الشيعة، على اعتماد مبدأ التمثيل النسبي وفقا للحجوم الديمغرافية المفترضة، من خلال معطيات أمريكية حول مكونات الشعب العراقي، وهو مبدأ أساسي في الديمقراطية التوافقية. ثم كتابة قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، الذي ركز على مسألة كون العراق بلدا تعدديا لا يمكن أن يحكم إلاّ من خلال «الشراكة في السلطة» بين مكوناته الثلاثة الرئيسية، فضلا عن تمثيل للأقليات الأخرى، لهذا كان القانون حريصا على مبدأ الفيتو المتبادل؛ عبر منح مجلس الرئاسة، المكون من رئيس الجمهورية ونائبيه، وهم يمثلون الجماعات الرئيسية في العراق، حق الفيتو (المادة 36) وعبر منح إمكانية رفض الدستور من خلال رفض ثلثي ثلاث محافظات او أكثر له (المادة 162/ ج). كما عمد القانون إلى تبني مبدأ الاستقلالية لكل مكون في إدارة شؤونه الخاصة من خلال منع تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية ومنح سلطات واسعة للحكومات المحلية. فضلا عن الممارسة السياسية التي أنتجها الأمريكيون التي ضمنت، إلى حد ما، الحكم من خلال ائتلاف واسع، ومسألة التمثيل النسبي في التعيينات.
لكن دستور 2005، الذي كتب بتوافق شيعي كردي، قوّض، بشكل منهجي، هذه المبادئ، وتبنى نظاما سياسيا يقوم على أساس أنموذج «أكثروي» – نسبة إلى الأكثرية. وبسبب طبيعة القوى السياسية الرئيسة في العراق التي كرست التماهي بين الأكثرية السياسية والأكثرية الديمغرافية، وطبيعة الاستقطاب الطائفي (الإثني والمذهبي) القائم، أصبح للأكثرية المفترضة، من خلال تمثيلها النسبي في البرلمان، القدرة، عمليا، على احتكار السلطة. فقد نصّت المادة (49/ثانيا) على ما يلي:»تُتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بعد تحقق النصاب ما لم ينص على خلاف ذلك». كما اشترطت 9 مواد أخرى «الأغلبية المطلقة» ولم يكن هناك سوى 7 مواد تتطلب الثلثين، ومادة واحدة تتطلب ثلاثة اخماس الأعضاء، ومادة واحدة تتطلب ثلاثة أرباع الأعضاء. وهو ما يعني الإطاحة بالمبدأ الأهم وهو مبدأ الحكم بائتلاف واسع! وأُطيح أيضا بمبدأ «الفيتو المتبادل» فلم يعد هناك أي قيمة حقيقية للفيتو المتبادل في مجلس الرئاسة (المادة 73/ثانيا) لأن بإمكان مجلس النواب تجاوز ذلك (المادة 138/ج) فضلا على أن رئيس الجمهورية، بعد انتهاء العمل بمجلس الرئاسة، لم يعد يمتلك هذه الصلاحية!
كما تحايلت الطبقة السياسية المتنفذة على الجملة التي نُقلت من «قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية» والتي تتحدث عن رفض ثلثي ثلاث محافظات أو أكثر لأي تعديل في الدستور (المادة 140). من خلال صياغة مادة أخرى يمكن اللجوء اليها للإطاحة بهذا الرفض (المادة 126/ ثانيا وثالثا) التي تنص على إمكانية تعديل الدستور بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية، دون الإشارة إلى قدرة ثلثي ثلاث محافظات على تعطيل ذلك.
وقد أغفل الدستور الإشارة إلى قضية التمثيل النسبي في التعيينات في الإدارة المدنية العامّة، لاسيما أنّه لا وجود لإحصائية دقيقة تظهر الحجم الحقيقي لكل مكون. ومن الواضح من النماذج الخاصة بالتعداد السكاني المفترض أنه لا توجد آليات لمعرفة الوزن الديمغرافي للمكونات جميعها، ومن هنا، فإن الادعاءات المتعلقة بهذا الأمر ستبقى قائمةً، وستحددها علاقات القوة مما يمنع الوصول إلى تمثيلٍ نسبيٍّ حقيقيّ حتى في القوّات المسلحة كما نص الدستور، وهو ما وجدناه في السجالات المتعلقة بالتوازن.
أما بالنسبة إلى الخاصية الرابعة للديمقراطية التوافقية والمتعلقة بالإدارة الذاتية، والتي تحققت، عمليا في إقليم كردستان حصرًا، فإن محاولات تقويضها قائمة على قدم وساق، تماما كما هي المحاولات المنهجية لتقويض النظام اللامركزي الذي يعطي للمحافظات صلاحيات واسعة.
بعد الانسحاب الأمريكي من العراق شهدت علاقات القوة بين الكتل السياسية الممثلة للمكونات الرئيسية الثلاثة في العراق، تحولات كثيرة أوهمت الفاعل السياسي الشيعي بأن الممارسات السياسية التي كانت سائدة، والتي لا تستند إلى إطار دستوري، لم تعد ملزمة له، لذلك لجأ إلى إعادة هيكلة النظام السياسي الذي حكم العراق في السنوات الماضية، عبر احتكار كامل لصلاحية التشريع في مجلس النواب، اعتمادا على الأكثرية السياسية التي حاز عليها، وعبر تقويض منهجي لسلطة إقليم كردستان باستخدام المحكمة الاتحادية التي يسيطر عليها الفاعلون السياسيون الشيعة (6 أعضاء شيعة مقابل عضوين سنيين وعضو كردي مما يجعل قرار الثلاثة لا قيمة له في قرار المحكمة الذي يعتمد الأغلبية أيضا). ومن خلال تقويض اللامركزية التي ضمنها الدستور للمحافظات، عبر قرارات كثيرة بينها قرار المحكمة الاتحادية الذي نقض مادة دستورية صريحة تعطي للمحافظات صلاحية إصدار التشريعات الخاصة بها، وتكون لتلك التشريعات علوية على القوانين الاتحادية في غير السلطات الحصرية للسلطات الاتحادية.
بالتالي لا يمكن النظر إلى ما يتم تمريره من تشريعات أو قرارات تنفيذية أو ممارسات متعلقة بتطييف الدولة وفرض هوية أحادية (شيعية) عليها، واحتكار الفاعل السياسي الشيعي للقرار السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي، والمحاولات المنهجية لاحتكار المجال العام، وبناء دولة عقائدية موازية مدججة بالسلاح، سوى على أنها سعي منهجي لإعادة هيكلة النظام السياسي الذي كان قائما بعد 2003، ولا يمكن فهم طبيعة القوانين ذات الطبيعة الطائفية المفضوحة التي شُرعت، أو التي يراد تشريعها، فضلا عن التعطيل المتعمد لانتخاب رئيس مجلس النواب، إلا في هذا السياق!





