ظلال الموت: حكايات الألم والفقدان تحت القصف في غزة

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

في صباح يوم ملؤه الكآبة، جاءني اتصال من أحد الإخوة الذين تعرفت عليهم عبر تطبيق تلغرام، وكانوا من غزة وبعضهم من طولكرم. كان صوته يحمل كل ملامح الإنهاك، كأنه خرج لتوه من معركة طويلة ضد الحزن والوجع. كلماته كانت متقطعة، كأنها تُستخرج من صدره بصعوبة، وكان كل حرف ينطق به يتناثر في الهواء، مثقلًا بثقل الألم. أخبرني بصوت مبحوح أن صديقنا محمد أبو التوأمين قد تلقى أسوأ خبر يمكن أن يُلقى على مسامع أي إنسان.

محمد، الأب الجديد، كان في ذلك الصباح يخطو خطواته الأولى نحو حياة جديدة مليئة بالأمل. توأماه اللذان جاءا إلى الحياة منذ أربعة أيام فقط، كانا يمثلان له النور في وسط الظلام، وأملًا جديدًا في زمن قاسٍ. اختار لهما اسم عاصم وآية، إسمان اختارهما بعناية تعبر عن القوة والجمال اللذين كان يتمنى أن يرافقاهما في حياتهما. كان محمد فرحًا لا تسعه الدنيا وهو يتوجه إلى الإدارة ليستخرج لهما شهادتي الميلاد، تلك الوثائق التي كانت ستصبح أولى بصمات الحياة في أوراقهما البيضاء.

لكن بينما كان محمد ينتظر بشوق في مكتب التسجيل، جاءته المكالمة التي حطمت عالمه. أخبروه أن منزله في غزة قد دُمر في قصف إسرائيلي، وأن زوجته الحبيبة عرفة، وطفليه الرضيعين، لم ينجُ أحدٌ منهم. لم يكن قادرًا على استيعاب ما سمعه، كيف يمكن أن ينطفئ النور الذي أضاء حياته فجأة؟ كيف يمكن أن تُمحى أحلامه في لحظة واحدة؟

تخيلت محمد جالسا في المستشفى، بين يديه شهادتي الميلاد اللتين لم يعد لهما معنى سوى أنهما آخر ما تبقى له من أطفاله. عاصم، الذي كان يمسك بإصبعه الصغير منذ ولادته، وآية، التي كانت تنظر إليه بعينيها الواسعتين و تبتسم وكأنها تحمل له رسالة حب صامتة، لم يعد لهما وجود. كل تلك اللحظات الصغيرة التي كان يحلم بها، الضحكات الأولى، الخطوات الأولى، الكلمات الأولى، تحولت إلى سراب.

وفي ذلك اليوم، تذكرت قصة العم إبراهيم، ذلك الرجل الطاعن في السن، الذي كان يشبه شجرة قديمة متجذرة في أرضها رغم العواصف. خرج من بيته المتواضع في غزة، مستندًا إلى عكازه الذي كان يرافقه كرفيق درب قديم. الشوارع التي كانت تملأها الحياة في يوم من الأيام، أصبحت الآن خاوية، لا ترى فيها سوى الحطام ووجوه الناس التي غطاها الحزن.

كان العم إبراهيم في طريقه لتقديم العزاء لعائلة صديقه السيد عمر، الذي فقد أسرته في قصف مماثل قبل أيام. وهو يسير ببطء، كان يمر بجانب سيارات متهالكة متروكة في منتصف الطريق، كأنها شواهد على حياة توقفت فجأة. الأطفال الذين كانوا يلعبون في الشوارع تحولوا إلى أشباح، يختبئون خلف حطام المنازل، وعيونهم تحمل ألف سؤال عن مصيرهم.

الضجيج الذي كان يميز غزة، تلك المدينة الصاخبة بالحياة، استُبدل بصوت الطائرات وأصداء الانفجارات.

لكن هذا اليوم كان مختلفًا، فالانفجار لم يكن بعيدًا. قبل أن يصل العم إبراهيم إلى منزل السيد عمر، وقع الانفجار. اهتزت الأرض تحت قدميه، وانطلق الدخان الأسود في الهواء كثيفًا، يغطي السماء ككفن فوق المدينة.

سقط العم إبراهيم على الأرض، وعكازه تحطم بجانبه. المكان من حوله تحول إلى ساحة موت، وجوه المارة أصبحت بلا حياة، وأجساد الأطفال كانت ترتجف من الخوف. المدينة التي كانت تضج بالحياة أصبحت الآن مدينة أشباح، والسماء التي كانت تحتضن أحلام الناس أصبحت غارقة في الدخان.

لقد كانت تلك اللحظة هي آخر ما شهده العم إبراهيم، لحظة تُلخص حال مدينة بأكملها، مدينة تعيش تحت رحمة القصف، مدينة يموت فيها الحب قبل أن يولد.

ختاما، هذا المقال ليس مجرد سرد لمأساة محمد أو العم إبراهيم، بل هو صرخة في وجه الظلم، صرخة تذكّر العالم بأن هناك في غزة أناسًا يعيشون كل يوم تحت وطأة القصف والخوف. إنها قصة عن الحب الذي يُقتل قبل أن يبدأ، عن الأطفال الذين يُحرمون من حق الحياة، وعن الآباء الذين يُحطمون تحت وطأة الألم. علينا أن نسمع هذه الصرخات، أن نشعر بهذا الألم، لأن الصمت ليس خيارًا عندما تكون الحياة على المحك.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...