في فجر الموت: مذبحة مدرسة التابعين وتحديات الضمير العالمي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

مع انبلاج أولى خيوط الفجر، حيث استعدت غزة لاستقبال يوم جديد، هزت صرخات الرعب الأرض وشقت السماء. كانت مدرسة “التابعين” في حي الدرج على موعد مع كارثة غير مسبوقة، حولت لحظات السكون إلى مشهد مروع من الدمار والإبادة.

في تلك اللحظات المبكرة، تجمع أكثر من ألفي نازح فلسطيني داخل المدرسة، يطلبون الأمان من موت أصبح رفيقهم الدائم. وقف المصلون في صفوف متراصة، يرفعون أكفهم بالدعاء، راجين أمانا افتقدوه منذ أمد بعيد. لكن القدر كان يخبئ لهم الشهادة، حيث أخذت السماء تمطر ناراً من صواريخ الموت التي أطلقها جيش الاحتلال.

ثلاثة صواريخ ثقيلة كالجبال، حملت طناً من المتفجرات لكل منها، هبطت كالصواعق على المدرسة. انفجرت الأولى، فأزالت سقف المصلى وكأنه ورق هش، لينقلب المشهد في لحظات من صلاة وسكون إلى بحر من الدماء والأشلاء المتناثرة. الأطفال الذين كانوا قد ناموا في أحضان أمهاتهم، لم يعودوا سوى ذكريات مؤلمة تركت وراءها عيوناً مفتوحة تحدق في فراغٍ مخيف. أما الصاروخ الثاني، فقد استهدف قلب المدرسة، فتهدمت الجدران وتحولت إلى ركام يعلو فوق جثث الشهداء، مختلطاً بأصوات الصراخ والنحيب التي ملأت المكان. أما الثالث، فقد جاء ليكمل المشهد المروع، حيث كان يستهدف من تبقى من الأرواح الهائمة في المكان، كأن الاحتلال أراد أن يضمن عدم نجاة أحد.

هذه المجزرة لم تكن مجرد عمل عسكري أو عملية تطهير كما يدّعي الاحتلال، بل كانت رسالة واضحة موجهة إلى العالم بأسره، رسالة تُعبِّر عن مدى الاستهتار بحياة الفلسطينيين، وعن الاعتقاد الراسخ بأن لا أحد سيحاسبهم على هذه الجرائم. ولم يكن القصف مجرد ضربة عشوائية؛ بل كان عملاً مخططاً بدقة، جاء في توقيت استراتيجي، ليتزامن مع المحاولات الدولية الرامية لتهدئة الوضع في المنطقة، وكأنه يُذكر الجميع بأن إسرائيل لا تعترف بسلام ولا تهدئة، بل تسعى دائما إلى إبادة كل ما هو فلسطيني.

الناجون من تلك المجزرة، الذين كانوا قلة قليلة، لم يعودوا يحملون سوى ندوب عميقة على أجسادهم وأرواحهم. أحد الأطفال، الذي فقد والديه في لحظات، كان يجلس مذهولاً فوق ركام المدرسة، يحدق في السماء التي كانت تفيض نوراً قبل لحظات، متسائلاً بصمت عن السبب الذي جعل هذا الجحيم ينزل عليهم من السماء. وامرأة مسنّة، كانت تبحث بين الأنقاض عن حفيدتها التي جاءت لزيارتها قبل ساعات، فكانت تسحب بيديها المرتعشتين بقايا الحجارة والركام، لكن كل ما عثرت عليه كان دمية صغيرة ملطخة بالدماء.

كان العالم بأسره يشاهد هذه المشاهد المرعبة عبر شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن ردود الفعل كانت تأتي باردة كما هي العادة. بيانات الإدانة والشجب التي صدرت عن بعض الدول لم تكن سوى كلمات خاوية، لا تحمل في طياتها أي نية فعلية لتغيير الوضع. بل كان هناك من يدافع عن تلك المجزرة، مستخدماً الأكاذيب المعتادة عن وجود “مسلحين” في المدرسة، وكأن هؤلاء الأطفال والشيوخ تحولوا فجأة إلى تهديد وجودي يجب القضاء عليه.

لقد سئم الفلسطينيون من تلك الأكاذيب، ومن ذلك التواطؤ الدولي الذي يمنح الاحتلال حصانة غير مسبوقة. ففي الوقت الذي كانت فيه تلك المدرسة تُدمر على رؤوس ساكنيها، كانت هناك عواصم غربية تُعقد فيها الاجتماعات السرية، تُبحث فيها مصالح سياسية واقتصادية، وكأن الدم الفلسطيني ليس سوى وقود في معادلاتهم القذرة.

إن نتنياهو، كسابقيه من زعماء إسرائيل المتطرفين، يسعى لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى على حساب معاناة الشعب الفلسطيني. وكما تجاهل بن غوريون وجود الفلسطينيين في مذكراته، وكما أنكرت غولدا مائير حقوقهم،يستمر نتنياهو في سياسة الإنكار والإبادة، محاولاً تكرار نكبة القرن العشرين بأدوات وأساليب القرن الحادي والعشرين.

في هذه المدينة المحاصرة، التي أصبحت رمزاً للصمود والتحدي، كانت المجزرة علامة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني. أدرك الجميع أن الاحتلال لا يسعى سوى للدمار والموت، وأنه لن يكون هناك أي سلام طالما بقيت هذه الجرائم تُرتكب. كل طفل فقد عائلته في تلك المجزرة، وكل امرأة رأت أحبابها يُقتلون أمام عينيها، كانوا شهوداً على وحشية لا يمكن أن تُغتفر.

بينما كانت الشمس تشرق من جديد على غزة، كانت المدينة قد تحولت إلى خراب كامل. فقد خلفت المجزرة دماراً شاملاً لم يترك مجالاً للحياة أن تعود تدريجياً، بل تركت المدينة في حالة من الرعب والخراب العميق. وستظل هذه الجريمة النكراء محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة، كرمزٍ للحقد والظلم الذي لن يُنسى، وكدليلٍ على أن الاحتلال لن يتوقف إلا بالقوة والمقاومة، مهما كانت التضحيات.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...