وضاح عبد الباري طاهر
قبل قرابة 26 عامًا سنحت لي الظروف بزيارة تهامة، والتشرف بالجلوس بين يدي علمائها من آل القديمي، والوشلي، والأهدل، وعامر، والتقيت فيها بالأخ العزيز والصديق الأستاذ المؤرخ سالم علي القعطبي.
كان الأستاذ سالم حينها متجردًا لطب العلم على يد شيوخها، منكبًّا على كتابة تاريخه عن علماء تهامة وصلحائها، والذي أسماه «جلاء الشجن بتراجم الأعلام في تهامة اليمن»، وكان قد أراني بعض أجزائه، فتصفحته، وأمعنت النظر فيه، وعرفت أن الصبح قد لاحت مخايله:
ما زلتُ أعرفُ وَبْلهُ من عارضٍ* لما رأيتُ سماءَهُ تتغيمُ
لن تحتاج للكثير من الوقت حتى يدخل الأستاذ سالم إلى قلبك بلا كُلفة ولا استئذان، فهو شخص يتحلى بالبساطة والأدب الجم والتواضع، وهو إلى جانب ذلك على اطلاع واسع على المخطوطات، وتراجم اليمنيين، وذو دراية جيدة بالتواريخ اليمنية والإسلامية.
درس الأستاذ القعطبي على خيرة علماء تهامة في مدن الزيدية، والضحي، والمراوعة، وغيرها من مدن وقرى تهامة، وتمكن بفضل أدبه وخلقه وذكائه أن يكسب ثقة كثير من الأسر التي تحتفظ بكثير من المخطوطات لينهل منها ما شاء الله له أن ينهل.
كان العلامة عبد الرحمن الوشلي رحمه الله- كثير الثناء على الأخ سالم، والتشجيع له في مشروع عمره الذي نذر نفسه له، وقضى زهرة شبابه في تحصيله وجمعه، وقال له في كلام ما معناه: “إنه لم يتسنَ لكثير ممن سبقه أن يقوم بمثل هذا العمل الذي يقوم به”.
ولم يجازف العلامة الوشلي بكلامه هذا؛ فإنك إذا قرأت بعض من ترجم لهم الأستاذ القعطبي من أعلام تهامة تجده شبيهًا بالقاضي التنوخي الذي اشترط على نفسه في كتابه «نشوار المحاضرة» ألا يذكر فيه قصةً أو خبرًا موجودًا في كتاب.
وهكذا يتجلى لك منهج الأخ الأستاذ القعطبي؛ فإنه لا يرضى لنفسه مجرد الترديد لما تذكره كتب التراجم التي سبقته، فيكتفي بها، بل إنه يبحث وينقب بين المخطوطات والوجادات والإجازات، ويأخذها عن أفواه الأشياخ؛ ليأتي بكل جديد ونادرة لم يُسبق إليها، ولم يدونها أحدٌ ممن تقدمه.
وممن ترجمه الأستاذ القعطبي في كتابه هذا الجد العلامة علي باري بن عبد الرحمن الأهدل. والجد علي باري شقيق جدي العلامة محمد طاهر بن عبد الرحمن- كان من أوعية العلم، وصدرًا من صدور الرجال، بلغ درجة الإفتاء في حياة شيوخه.
كتب الجد علي باري كثيرًا من الكتب بخطه الجميل، وتحتفظ مكتبة الجد محمد طاهر بن عبد الرحمن بكثير من المخطوطات بخط يده منها: فتاوي شيخ الإسلام محمد بن أحمد الفقهية والحديثية خمس مجلدات، وشرح المنهاج في فقه الشافعية ثلاث مجلدات وغيرها من الكتب والرسائل في الفقه والحديث والتصوف وعلم الكلام.
وقد كان القاضي المؤرخ المرحوم إسماعيل بن علي الأكوع طلب مني بعض تراجم الأهل، فكتب له سيدي وشيخي العلامة محمد إبراهيم محمد طاهر دفترًا ترجم فيه لكثير من علماء الأهل فيها ترجمته، وترجمة شيخه السيد العلامة عبد الرحمن حسن معوضة، والسيد شعيب الأهدل، والجد يوسف محمد طاهر، وكان ممن ترجمهم الجد العلامة علي باري بن عبد الرحمن. وأذكر أنه ذكر تاريخ وفاة الجد علي باري عن الإمام محمد بن عبد الرحمن الأهدل الذي ترجمه ترجمة مقتضبة.
لكن للأسف ضاع هذا الدفتر، وأنا أتداول قراءته أنا وابن العم الأستاذ الأديب الفقيه عبد الله يحيى محمد طاهر فوق الباص، حيث نزلنا ونسيناه على أحد الكراسي.
ترجم للجد علي باري أخوه الجد العلامة محمد طاهر بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الباري الأهدل في كتابه المخطوط «الخير المؤبد والمسبل»، ورقة 89، فقال:” أما الأخ علي باري بن عبد الرحمن، فهو شقيقي. قرأ علي كتاب الله تعالى، وتفقه بي، وأخذ في النحو والحديث والتفسير وغيرها.
وله همة عالية في التعلم والتعليم، وخطه حسنٌ جدًا، كثير التحصيل للكتب كتابةً وشراءً، أجزته في التدريس، والإفتاء- أهله الله لذلك، ولكل خير-، وحج معي الحجة الأولى، وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب منسكًا بقلمه، وجمع فيه من الأدعية والفوائد العجب العجاب. ومع هذا كله، فهو صاحب أدب كثير، وصمت، وخمول، وتجرد من الدنيا، وتزود من الآخرة. رقيق شفيق، رزق من الأولاد: محمد، وعبد الله، والأمين”.
ولم يخرج العلامة المؤرخ إسماعيل الوشلي في كتابه «نشر الثناء الحسن»، بتحقيق الأستاذ الجليل إبراهيم المقحفي:1/ 357 عما ذكره الجد محمد طاهر.
وعندما وقفت على ما كتبه عنه المؤرخ سالم القعطبي في كتابه «جلاء الشجن»، طربت وأعجبت بما زاده وأضافه من معلومات عن سيرة الجد علي باري ومؤلفاته ومشايخه وإجازاته، بما لم يسبق لي أن وقفت عليها في غير هذا المصدر.
وهذه ترجمة الأستاذ القعطبي:”علي بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدالباري بن محمد بن عبدالباري بن محمد بن الطاهر الأهدل المروعي.
من أعلام مدينة المراوعة، وأحد جهابذة علمائها. كان مولده بها سنة (1282هـ)، ونشأ في بيت علم وصلاح، وقرأ القران الكريم على شقيقه العلامة محمد طاهر بن عبدالرحمن الأهدل، ثم لازم الدراسة عليه بهمة عالية، فأخذ عليه في الفقه، والنحو، والتفسير، وكان جل أخذه عليه، وقد أجاز له بالتدريس والإفتاء،كما أنه أخذ أيضًا عن الشيخ العلامة محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل.
ومن شيوخه أيضًا: الشيخ العلامة مفتي زبيد داود بن عبد الرحمن حجر القديمي، وأجاز له خطًا بقلمه بتاريخ الثامن من ربيع الآخر سنة (1311هـ)، وبلغ صاحب الترجمة درجة كبيرة من العلم منذ حداثة سنة، حتى كان يُعدُّ من نوابغ العلماء، وكبار المفتين في بلدته، وشيوخه لايزالون على قيد الحياة. وله فتاوى كثيرة اشتملت على نقولات وتحريرات، تدل على سعة اطلاعه، وتبحره في العلوم.
كتب لي عنه ابن أخيه شيخنا العلامة علي بن عبد القادر بن عبد الرحمن الأهدل، وذلك في سؤالاتي له ما نصه: «وسمعنا أنه بلغ رتبة العلماء المفتين والعارفين».
وكان له شغف عظيم في اقتناء الكتب وتحصيلها، سواء عن طريق الشراء أو النسخ، وكان له خط في غاية الجودة والضبط والإتقان، فكتب به الكثير والكثير من مصنفات أهل العلم في اختلاف العلوم وشتى المعارف، حتى تكونت لديه مكتبة كانت تزخر بالكثير من نفائس الكتب ونوادر التراث، وغالبها مما حصله بخطه الحسن، ومنها جملة كبيرة من مؤلفات شيخه العلامة محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل، وقد وقفت على جملة منها في بعض المكتبات الخاصة بمدينة المراوعة، وهو بدوره هذا قد حفظ لنا كمًا مهمًّا من مؤلفات شيخه المذكور؛ فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
كما أنه كان لديه هو وأخوه الشيخ العلامة محمد طاهر مكتبة جدهما لأمهما الشيخ العلامة عبدالله بن عبدالباري الأهدل؛ حيث لم يكن من أبنائه من يشتغل بالعلم بعد وفاته، فآلت هذه المكتبة إليهما، وكانت تعد من أكبر المكتبات، والخزانات العلمية في تهامة اليمن، فكان صاحب الترجمة يقوم بالحفاظ عليها، وبنسخ ما تهدم منها، وكان أخوه الشيخ محمد طاهر الأهدل يوكل إليه هذه المهمة كثيرًا.
وهكذا كانت تمضي أوقاته مزدحمة بالعلم درسًا وتدريسًا وإفتاءً، والاشتغال بأنواع المعارف، وبنسخ المخطوطات ومقابلتها وضبطها، حتى وافته المنية في ليلة الثلاثاء التاسع عشر من شهر رجب سنة (1319هـ)؛ وكان سبب موته أن أصيب بفاجعة حصلت له بسببها إنزال استمر معه ثلاثة أيام، ثم توفي رحمه الله، وعمره واحد وأربعون عامًا.
مصنفاته:
1- «مجموع فتاوي». مخطوط بخط صاحب الترجمة في مكتبة خاصة بمدينة المراوعة، وقفت عليها، وهي متفرقة، بعضها في جزء لطيف، والأخرى في أوراق كثيرة، وبعضها متهدم يشق الانتفاع بها، ولو جمعت لربما تأتي في مجلد كبير، ولعل الله أن يهيئ من يجمعها، ويقوم بنشرها.
2- «القول الصريح والمجموع الصحيح فيما قاله العلماء في صلاة التراويح». منه نسخة خطية في مكتبة خاصة بمدينة المراوعة.
3- «تعليقة مفيدة على بعض كلمات البهجة»، منه نسخة خطية في مكتبة خاصة بمدينة المراوعة.
4- «جواب على سؤال هل فرضت الصلاة أولًا ركعتين ركعتين، أم أربعًا أربعًا في الحضر والسفر؟». منه نسخة خطية في مكتبة خاصة بمدينة المراوعة.
5- «مناسك الحج». ألفه وهو في الحج سنة (1307هـ).





